إبراهيم غرايبة

اليابان والعرب: في الوجهة المعرفية

تم نشره في الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2006. 03:00 صباحاً

يعود الاهتمام العربي باليابان إلى مائة سنة عندما كتب حافظ إبراهيم قصيدة ممجدا الانتصار الياباني على روسيا، وكتب عنها الزعيم المصري المعروف كتاب"الشمس المشرقة". لكن الاهتمام الياباني بالعرب، وبمصر خاصة، يسبق ذلك التاريخ بحوالي أربعين سنة عندما اهتم الامبراطور الياباني فوكوزاما بمصر لحظة مرروه بأراضيها في رحلته إلى أوروبا عام 1861، وأظهر بعض اليابانيين إعجابهم بكيفية قوانين المحاكم المختلطة في مصر، واقترحوا الاستفادة منها خلال سنوات 1883 -1887.

ولكن الوجهة المعرفية العربية نحو اليابان انحسرت حتى السبعينيات لتبدأ مجموعة من المؤتمرات التي شارك فيها باحثون عرب ويابانيون، ويحلل مسعود ضاهر في كتابه"اليابان بعيون عربية" قدرا كبيرا من الدراسات العربية حول اليابان وعددا قليلا من الدراسات اليابانية حول العرب، وتظهر الدراسة أيضا أن التجربة اليابانية لم تزل موضوعا معرفيا محدودا لم يتحول إلى توجهات جادة وشاملة في استيعاب التجربة اليابانية والتعرف عليها من خلال الدراسة والتدريب بقدر كاف للتأثير فعلا في البرامج والمشروعات العربية الإصلاحية والتنموية.

كانت العلاقات العربية اليابانية هشة للغاية، فلم يظهر اليابانيون اهتماما يذكر بالعرب قبل حرب 1973 حين تعرض الاقتصاد الياباني لهزة عنيفة بسبب ارتفاع أسعار النفط، وقد رفض العرب معاملة اليابان كدولة صديقة، فلم تكن صورة اليابان لدى العرب مهزوزة منذ هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وفي مرحلة المد القومي والشعارات الثورية أسقط العرب تماما اليابان من دراساتهم واهتماماتهم، ولم يشغلوا أنفسهم بهذه النهضة المعجزة التي تحققت بعد الهزيمة الكبرى في الحرب العالمية.

وغلب على الصورة المتبادلة بين العرب واليابانيين التشوه والسلبية لدى كل جانب تجاه الآخر، فقد كانت وسائل التواصل ضعيفة، وكانت الرؤية المتبادلة متأثرة إلى حد كبير بالإنتاج الإعلامي الغربي عن الطرفين، ومازال تأثير الصورة النمطية التي تشكلت في القرن العشرين حاضرا بقوة في الكتب المدرسية ووسائل الإعلام.

وقد صدر عن دار الساقي عام 1998 كتاب "صوت آسيا، زعيمان آسيويان يناقشان أمور القرن المقبل" لمهاتير محمد وشينتارو إيشيهارا عمدة طوكيو، ويرى مهاتير في هذا الكتاب الذي أثار ضجة واسعة عند صدوره أنه من الصعوبة تخيل اقتصاد عالمي بدون اليابان، إن الثقة في احتمالات التقدم في آسيا ليست سببا للرضا المفرط أو الخضوع للاوهام، فبعض الحديث عن نجاح آسيا الاقتصادي ينطوي على نيات سيئة، إن بعض الدول الغربية تعمل جاهدة لكبح جماح آسيا، لأنها تخشى أن تنافسها في يوم من الأيام.

ويرى إيشيهارا أن اليابان شرعت في الانفكاك عن الغرب وبخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، فاليابانيون آسيويون وينتمون إلى هذه المنطقة بالدم والتراث، ومصالحنا في آسيا أكثر مما هي في أميركا.

صحيح أن اليابان عضو في النادي الغربي باعتبارها دولة صناعية متقدمة، ولكنها في الوقت نفسه جزء من الشرق، وإن الوقت يقترب لأن يصبح الشرق أولى أولوياتنا في السياسة الخارجية، وإذا تجاهلنا مسار التاريخ وتمسكنا بالغرب فسوف نخرج من الغرب والشرق على السواء.

ومن أهم الباحثين اليابانيين الذي عرفوا العرب وأتقنوا اللغة العربية نوبوأكي نوتاهارا، ويعتقد في كتابه"العرب، وجهة نظر يابانية" أن غياب العدالة الاجتماعية في المجتمع العربي يشكل المعاناة الأساسية ومصدر الإعاقة والفوضى، ولا يمكن الحديث عن المجتمع العربي دون إغفال القمع المهيمن وبغير معالجة هذه المسألة فإن الحديث سيكون غير مجد.

يمثل نوتاهارا الجيل الثالث من المستعربين اليابانيين، وهو يتكلم العربية كأهلها، وقد ترجم إلى العربية رواية عائد إلى حيفا لغسان كنفاني، ورواية الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي، ومجموعة من الروايات الأخرى مثل أرخص الليالي، والحرام، والعسكري الأسود، وتلك الرائحة، وبيت من لحم، وحادثة شرف، والخبز الحافي، والوباء.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق