إبراهيم غرايبة

ما بعد الإرهاب

تم نشره في الأربعاء 29 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

هل سيضع إنفلونزا الطيور العالم أمام تحد جديد؟ ربما، ولكن سيبقى الإرهاب والحرب على الإرهاب موضوعا أكثر من غيره للدراسات والنشر، ليس لأنه أكثر أهمية، فلابد أن الفقر والفجوات الحضارية والاقتصادية في العالم والجريمة المنظمة والتلوث والفساد وتحديات وفرص التنمية والتعليم والصحة والتقنية والرعاية هي أهم بكثير من الإرهاب، وقد أوضحت الأحداث والأيام كيف تختار الدول والجماعات الاستجابة لأزمة عالمية لكن أحدا لا يعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة.

لقد أصبحت ظاهرة نهاية العنف"الإسلامي" موضوعا لدراسات كثيرة، فبعد جيل كابيل في كتابيه"الجهاد" و"الفتنة" صدر كتاب"نشوء الإسلام السياسي الراديكالي وانهياره" من تأليف راي تاكيه ونيكولاس غفوسديف، وكتاب "عوالم متصادمة" لمجموعة من المؤلفين وقد صدر مؤخرا عن مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية، ونقله إلى العربية المترجم الأردني صلاح عبد الحق.

وتبدو بنظر هؤلاء الكتاب والباحثين أزمة مكافحة الإرهاب في أزمة معرفة الذات لا تتيسر بسهولة، فيصبح الافتقار إلى المعرفة أشد سوءا عندما يقترن بالأساطير التاريخية التي تطلقها هوليوود سعيا للربح والترفيه، إن الجهل والأسطورة قد يدفعان إلى نشوء حالة يسود فيها اعتقاد بأن المرء على حق دائما، وهي قاعدة خطرة لاستخدامها في التعامل مع العالم.

ففي الوقت الذي قتل فيه بضعة آلاف بسبب نوع من الإرهاب، فإن عشرات الملايين يقتلون بسبب أنواع أخرى من الإرهاب ناتجة عن الفقر والمرض والظلم والفساد والاستبداد، ونحتاج إلى أن نتعلم كيف نرى الإرهاب.

إلى من نستطيع أن نوكل قيادتنا عبر تصادم عوالم الأفكار ومناورات القوة التي تشكل هذا الزمان؟ من الذي يستطيع الرؤية عبر دخان وأنقاض ما يحدث من عنف وإرهاب، ويفهم ما يجب فعله لضمان ألا تقع هذه الأحداث مرة أخرى؟ ومن سيعيد صياغة النظام العالمي الذي ثبت هشاشة حدوده وتداخلها؟

إن حربا قليلة التكاليف يتوجها النصر غالبا، وتتم في إطار الدفاع عن النفس ليست فقط مثالا لحملة عسكرية نموذجية، بل إنها أساس لحملة إعادة انتخاب ناجحة، فهناك أصوات كثيرة في العالم لا تعتبر أن مشكلات اليوم بما فيها الحرب ضد الإرهاب هي المشكلات الحقيقية، وثمة ميل للتطرف في كثير من أنحاء العالم، النزعة القومية المفرطة في البلقان، وأصولية اليمين السياسي في الولايات المتحدة الأميركية، وذهنية الإبادة في رواندة، والعقائد الدينية المتطرفة لطالبان، وعدم التسامح في أجزاء كثيرة من العالم، والعداء للسامية في أوروبا الشرقية، ومعتقدات "العصر الجديد" كما قال جي كيه شسرتون قبل قرن: إن كثيرا من الناس وجدوا أنه من الأسهل لهم أن يؤمنوا بأي شيء بدلا من الإيمان بلا شيء.

يبدو المخرج من أزمة التطرف بتقدير فوكوياما بظهور فصيل إسلامي ليبرالي يحقق المنطق التاريخي للعملية السياسية، فالحكم الإسلامي برأيه لا يستهوي الناس إلا عندما يكون فكرة مجردة، ويرشح إيران لتقود العالم الإسلامي إلى هذا الوضع، فالجيل الجديد في إيران يتطلع إلى نموذج إسلامي أكثر عصرية.

وقد يؤدي هذا الأمر إلى الجمع بين الأسلمة والليبرالية يعتمد تلقائيا مبادئ التنوير والموازنة بين القيم الإسلامية ورغبة الفرد بالتعبير الذاتي، وإلى نشوء وضع سياسي اجتماعي يقبل بالحرية الشخصية مع مبدأ المحافظة على استقرار المجتمع، وبرغم أن ديمقراطية إسلامية ستقاوم بعض مقومات الليبرالية على الأقل في بعض المراحل فإن بقاء الانتخابات الحرة واستمرارها مع المحافظة على الصحافة الحرة وتداول السلطة سيكفل قيام نظام ديمقراطي مستقر ومناسب ويشارك فيه الإسلاميون، وينسجم مع توجهات الحكام الشباب الجدد في الشرق الأوسط لإقامة أنظمة عصرية وديمقراطية وتلتزم في الوقت نفسه بقيم المجتمع وتقاليده وثقافته الإسلامية، وقد بدأت الحركات الإسلامية السياسية بالفعل تؤيد هذه العملية الديمقراطية وتقبل بها، بل وتدخلها في أنظمتها الداخلية وأفكارها وبرامجها، وهي تحولات يمكن ملاحظتها في الأردن وباكستان وبنغلاديش وماليزيا والجزائر ومصر والمغرب.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق