إبراهيم غرايبة

القراءة ودهشة الأسرار

تم نشره في الجمعة 24 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

   لنتخيل العالم بلا قراءة أو كتابة، وقد ظل كذلك بالفعل حتى فترة قريبة (نسبيا)، وفي تاريخ البشرية اليوم مرحلتان تغيران مساره وحياتها، تلك اللحظة التي بدأ الإنسان يعبر عن خبراته وتجاربه ومعلوماته بالرموز (الحروف الهجائية والصور)، فقد حول الحكمة والمعرفة والفلسفة إلى شيء مادي يمكن إدارته وتنظيمه، وفي اللحظة التي جعل الآلة تفعل مثله فتحول المعلومات والمعارف إلى رموز يمكن تخزينها على الحاسوب ونقلها عبر شبكات الاتصال واستعادتها مرة أخرى.

   في المرحلة الأولى أنسنت الحكمة والمعرفة، انتقلت من عالمها الروحي المدهش في تلقيها وتبادلها وتنظيمها، وتحولت إلى عمل إنساني، وفي المرحلة الثانية نقلت أو جرت مضاهاة العملية في الآلة.

   لو كنت في ذلك الزمن لربما أتيح لك أن تكون نبيا أو قديسا تتلقى الوحي والحكمة من السماء، أو تشارك الزهرة وأفروديت وفينوس وعشتار وحوريات الجمال والعطاء السارحات بين السماء والأرض حياتها المدهشة الرائعة، وربما يقال بعد قرون أو عقود من الزمان لو أنك كنت تحيا في زمن الكتابة والقراءة لربما أتيح لك أن تلتقي بالحكماء والعلماء والشعراء والرواة وتأخذه منهم الحكمة والمعرفة، ربما يكون ماركيز والليندي ونجيب محفوظ وطه حسين وسيد قطب وماركس ودانتي وفوكو والعقاد وأنيس منصور وطاغور وغاندي وجاك لندن وتولستوي وغوركي وتشيخوف وروسو ومكيافيلي والفارابي والمتنبي وعروة بن الورد والشنفرى وكل هؤلاء الذين نعرفهم في العلم والمعرفة والفن والثقافة رموزا روحية وأسطورية يحاول الأساتذة والقادة والعلماء الذين سيكونون على الأغلب أجهزة حاسوبية تملك وتنظم وتقدم للناس المعارف والتعليم والشعر والفن أن يخبروا الأجيال عن أسرار العظمة والقداسة والعبقرية لدى علماء وفلاسفة ذلك العصر قبل أن تتحول المعرفة إلى رموز رقمية (ديجيتال) .

   لقد ألفت الكتب وأعدت لتقرأ، ولكن مئات الملايين من الكتب التي صدرت شغلت بكل شيء تقريبا إلا القراءة كفعل ومهارة وهواية ومرض وتقاليد وأسرار، ووعاء حل فيه الوحي والحكمة والمعرفة والخبرة والثقافة والفن والغناء والموسيقى والموازنات والأرقام والأسرار والاختراعات والاكتشافات.

   بدأت الكتابة في سورية والعراق، كما تدل أقدم آثار معروفة للكتابة، وربما وجد الإنسان الذي يعاني من الفناء ويتطلع إلى الخلود حيلة في "القراءة" تجعله خالدا، فهو يقرأ الماضي ويطلع عليه ويقدم فكره وتجربته لمن بعده ليبقى "حيا" ولكنها (القراءة) كانت أكثر من ذلك، كانت فعلا إنسانيا عميقا مستمدا من الحب والعلم والشغف بالحقيقة.

   ويتذكر الإنسان ما يقرأ ويحفظه وهو في ذلك ربما تدفعه أشواق الخلود والبقاء، وكان بعض الناس قادرين على حفظ ما يقرؤونه لمرة واحدة، وكان الحفظ من الحيل التي يلتف بها "فدائيو العلم" على ندرة الكتب أو منعها فتتحول الكتب إلى جزء من كيان الإنسان يستحيل نزعه.

   القراءة بصوت مرتفع، والقراءة بصمت، والقدرة على تخزين المفردات، كل هذه قدرات مدهشة تعلمناها بطريقة لا يمكن تفسيرها، ويعتبر تعلم القراءة في كل المجتمعات نوعا من المبادرة في مباشرة العمل ومرحلة انتقال حافلة بالطقوس.

   وكان مالكو الرقيق في أميركا يرفضون حتى مجرد التفكير في شعب أسود متعلم ويرون في ذلك مصدرا للخطر على مصالحهم وباعثا على التمرد، وحتى قراءة الإنجيل كانت ممنوعة على السود، وكان هذا الحظر يشمل الأحرار السود أيضا وليس فقط العبيد، وكانت القراءة وتعليمها تعتير جريمة يعاقب عليها القانون وإذا تكررت فقد يعدم المعلم الأسود.

وكان تعلم القراءة وتعليمها عمليات سرية ومعقدة وخطرة يقوم بها السود في أماكن سرية أو بطرق ملتوية، كانت قصصا تنم عن مغامرة وشجاعة وذكاء واستنتاج وتخمين واستفزاز غرائز التعلم التي أودعها الله في الإنسان.

   إن الكلمة قوة يدركها الطغاة أكثر من المستضغفين ويدركون أيضا أن الجماهير الأمية تكون سهلة الانقياد، فكانت عمليات حرق الكتب وحظرها والرقابة عليها وكانت الرقابة على الكتب وما زالت رديفا للحكم.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق