إبراهيم غرايبة

القمح لا يزرع في البورصة

تم نشره في الجمعة 10 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

قرأت في الأسبوع الماضي كتابين عن سوق الأسهم والتعامل معها، وكنت أتوقع أن أكون قادرا بذلك على الاستثمار في سوق الأسهم، ولكني مازلت غير قادر على فهم ما يجري في السوق المالي، ولا معنى صعود ونزول الأسهم، وكل ما فهمته أن الناس وضعت فلوسا في السوق (كيف وضعتها) على أمل أن تربح ولكن الفلوس ضاعت، وتطوعت زميلة عربية لتشرح لي ما الذي حصل لسهم البنك العربي والاستثمار فيه، وتعجبت من قدرتها على الإحاطة بهذه التفصيلات في سوق عمان المالي برغم أني كنت قبل ذلك بقليل أبذل جهدا خارقا لأوضح لها أبعاد نجاح حركة حماس في الانتخابات وتداعيات نتائج الانتخابات التنظيمية للحركة الإسلامية، ولكن كان الأمر يبدو لها غير واضح أو مفهوم، فالناس تنتخب (وماله؟) ثم تعود إلى بيوتها وأعمالها وكأن شيئا لم يكن، وما علاقة ذلك بما تشغل الصحافة نفسها به؟

هل الثراء والربح والخسارة والفهم هي مسائل غير منطقية؟ إنني أقرأ عشرة كتب على الأقل شهريا، ولكني بصعوبة استطعت التمييز بين كرة القدم وكرة السلة، واليوم مع الوجهة الرياضية والاقتصادية للصحافة والإعلام والسياسة والحياة فإنني أبدو عديم الفائدة، وربما تكون برأي أحد الأصدقاء فرصتي الوحيدة أن أشارك في برنامج"من سيربح المليون" فلا بد أن الكتب التي قرأتها ستفيدني، ولكن سارعت إلى إحباطه لأن الكتب التي أقرأها أيضا لن تفيدني في المسابقة، وماذا سيسألني جورج قرداحي عن شيء وتكون إجابته في كتاب ميشيل فوكو "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" الذي يكفي الوقت والجهد الذي يبذل في قراءته وفهمه لتحصيل مليون دينار في البورصة.

من يعرف علي بن الجهم؟ ولكن من لا يعرف بيت الشعر القائل:

عيون المها بين الرصافة والجسر   

                        جلبن الهوى من حيت أدري ولا أدري

إنه الشاعر الذي قال هذا البيت الخالد، فعرف الناس جميعا البيت ونسوا الشاعر، وهو بالمناسبة من مدينة دجيل التي اشتهرت هذه الأيام بسبب محاكمة الرئيس العراقي السابق صدام حسين والمتعلقة بمحاولة اغتياله فيها وتداعيات القضية.

وهي حالة ليست نادرة، فقد خلدت أم كلثوم أشعارا وقصائد هي برغم جمالها وعمقها لم تكن لتعرف لولاها، فالشاعر الهندي الباكستاني العظيم محمد إقبال وإن كان شخصية إسلامية عظيمة ومشهورة في القارة الهندية بخاصة فربما يكون ليس معروفا للعرب وبخاصة الأجيال الجديدة، ولكن قصيدته حديث الروح التي غنتها أم كلثوم، ومطلعها:

حديث الروح للأرواح يسري        وتدركه القلوب بلا عناء

يعرفها معظم العرب ويحفظون أجزاء منها بفضل أم كلثوم.

لقد حاولت أكثر من مائة مرة استعادة وحفظ اسم العالم الذي اخترع شبكة الإنترنت، ولكني أجد نفسي قد نسيته، ولكن أحدا لا ينسى "بيل غيتس" الذي لم يخترع شيئا، وقطع دراسته الجامعية، لينشئ شركة استفادت من تحولات الاقتصاد والتقنية نحو الكمبيوتر، وجنت مئات المليارات من الدولارات.

ولكن أين الصواب والمنطق؟ روى لي الباشا نذير رشيد القصة التالية، في عام 1950 كان المرحوم راضي عناب أول رئيس لأركان الجيش العربي يدرب الجنود على استخدام المدفع وتوجيهه بالقياسات المطلوبة، فتململ أحد الجنود البدو قائلا: وجعت راسي بالشاقولي والعمودي، هريها فلسطين، جيرة الله تلحقني، فهل الصواب والحكمة إلى جانبي والجندي حمد في رؤية الأشياء كما هي، أم إلى جانب العلم والتقنية، بالطبع لا يمكن بمنطقي ومنطق حمد أن نصنع حواسيب وأقمارا صناعية وأنظمة دفاعية متقدمة، ولكنا في النهاية نحتاج إلى الخبز، والخبز يصنع من القمح، والقمح لا يمكن أن يزرع في البورصة.  

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الآن أثبتت لنا النظرية (نقاء غرايبة)

    الجمعة 10 آذار / مارس 2006.
    يبدو بعض العظماء عظماء لانهم يقفون على أكتاف من سبقهم
    (جزاك الله على هذا المقال الجميل لانه يمثل الواقع الذي نعيشه اليوم)