إبراهيم غرايبة

الهند القادمة

تم نشره في الأربعاء 8 آذار / مارس 2006. 02:00 صباحاً

كانت زيارة بوش للهند والإعلان عن تعاون نووي بين الهند والولايات المتحدة الأميركية تعبيرا عن اتجاهات مستقبلية مهمة أولها أن الهند تتحول إلى دولة عظمى، وأن الولايات المتحدة تتعامل معها على هذا الأساس. ويبدو أن الهند ستضطلع بدور أساسي في النظام العالمي القادم، يقوم على مواجهة الصين والتحالف الروسي الإيراني، ودور قيادي في جنوب وغرب آسيا وفي الخليج العربي أيضا.

فالهند هي سابع دولة في العالم في المساحة، وثاني أكبر دولة في عدد السكان، وتمتلك مساحة واسعة من الأراضى الزراعية والقابلة للزراعة، وموارد طبيعية هائلة من الفحم والبوكسايت والحديد الخام، وموارد بشرية هائلة مدربة تدريبا عاليا، وصناعة متقدمة، وتكنولوجيا معلوماتية ونووية وفضائية متقدمة، وهي بلد ذو نظام سياسي ديمقراطي، بل هي أكبر ديمقراطية في العالم، ولم تؤثر في ديمقراطيتها وتقاليدها السياسية جميع الأزمات الطائفية والنزاعات الداخلية والحروب الإقليمية، وامتلكت حالة من الرسوخ بخلاف باكستان جارتها التي ظلت الانتخابات الديمقراطية فيها تعصف بها الانقلابات العسكرية.

ولكن الهند تعاني من تحديات حقيقية وكبرى، منها تصاعد التيارات الأصولية، وتصاعد الحركات الانفصالية، وتدني المستوى الاقتصادي، فهناك أربعمائة مليون فقير هندي يعانون من عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، ويشكل وسباق التسلح مع باكستان مصدرا للقلق والتوتر السياسي والنزف الاقتصادي.

وقد استطاع حزب "باهراتيا جاناتا بارتي" الأصولي الهندوسي من الوصول إلى الحكم عام 1998 متحديا حزب المؤتمر المؤسس للهند الحديثة، والمشكلة أن الهند تشهد نموا في أصوليات عدة، هندوسية وإسلامية وسيخية وبوذية، وقد يؤدي هذا الصعود للأصوليات إلى التصادم فيما بينها.

وتواجه الهند حركات انفصالية تدعو إلى استقلال بعض الأقاليم عنها، مثل كشمير وآسام والبنغال الغربي وبيهار وناجالانج ومانيبور والبنجاب، وتعد الهند أكثر دولة آسيوية في نسبة الإصابة بمرض الإيدز، ويقدر عدد المرضى بالإيدز في الهند بـ37 مليونا، ومازال التمييز الطائفي والطبقي والعنصري راسخا برغم إلغائه ومنعه دستوريا.

ولكن ذلك كله لا يمنع أن يكون للهند دور عالمي، وقد بدأت الهند بذلك بالفعل منذ الحرب الهندية الباكستانية، فقد تبنت الهند دورا جديدا يقوم على فكرة أن الهند هي أكبر دولة في جنوب آسيا، وهي حامية وبانية التوازنات، وتسعى الى تحديد التوجه الاستراتيجي الاساسي لدول جنوب اسيا، بل وتسعى الآن إلى دور آسيوي، وتطمح إلى توظيف التحالفات العالمية كي تكون هي ركيزة التوازنات الآسيوية.

لقد كان انفصال باكستان عام 1947 عن الهند خسارة كبرى للمسلمين والهنود جميعا، فقد تحول هذا الإقليم إلى دول متصارعة تشغلها الحروب عن التنمية وتستدرج الهيمنة الخارجية، وإذا تجاوزت الدول الرئيسية في جنوب آسيا وهي الهند وباكستان وبنغلاديش هذه الأزمات التي تحولت إلى تاريخية متراكمة برغم أنها في الأصل مفتعلة ويمكن تجاوزها فإن جنوب آسيا سيكون قادرا على تأسيس قوة عسكرية واقتصادية وسياسية وثقافية تغير من وجهة العالم بل وتعيد صياغته، وسيكون الخاسر الأول في معاداة الهند هو باكستان والخليج العربي، وفي الوقت نفسه فإنها توفر لهذه الدول والدول العربية أيضا فرصة للتوازن العالمي لصالح العرب والهند، والتعاون الاقتصادي والتقني على أسس تخدم المجموعتين العربية (الخليجية بخاصة) والهندية، وربما يكون قد حان الوقت للكف عن اعتبار النزاع على كشمير قضية إسلامية كبرى، بل وحتى قضية إقليمية تشغل الدولتين الجارتين، فهي ليست أكثر من إقليم متنازع على السيادة عليه، وفي حال قيام تعاون وجوار صحيح فلن يزيد أو ينقص شيئا أن تكون كشمير هندية أو باكستانية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo 

التعليق