إبراهيم غرايبة

"الإخوان" والإعلام

تم نشره في الأحد 5 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

ربما تكون المجتمعات والتيارات السياسية والاجتماعية تعول على حراك جماعة الإخوان المسلمين وتفاعلاتها التنظيمية أكثر مما هي تعول عليها. وتبدو الأخبار والتقارير، التي كثيرا ما تكون قد كتبت وأعدت بدوافع من الكسل والتحيز والرغبات، مصدرا تهتم به الجهات الإعلامية والسياسية والدبلوماسية، والتي تقع غالبا في حالة من الارتباك والتضليل بسبب الفوضى وغياب المسؤولية الأخلاقية والمهنية في النشر لدى العديد من الإعلاميين والمصادر، وبسبب الخلط بين الخبر الرأي، وبين المعلومة والاستنتاج، وقبل ذلك كله عدم اكتشاف الحركة الإسلامية لذاتها ومواصلتها التعامل مع الحالة الإعلامية والسياسية القائمة اليوم كما لو أنها هي التي كانت عام 1986.

في ذلك العام (1986) قررت الجماعة تشكيل قسم لمتابعة الصحافة، وكانت دهشة الاهتمام والتعتيم الإعلامي تبدو مكونا أساسيا في الفهم والتقييم والتعامل مع الإعلام قائمة على الريبة والحذر، ولكن الحركة الإسلامية وجدت نفسها عام 1989 في مرحلة بعيدة مختلفة تماما، وفجأة وجدت نفسها بين اتجاهين، أحدهما غالب وقائم على ثقة كبيرة بمكاسب الجماعة وآفاق العمل أمامها، وكانت تطرح أفكارا ومشروعات كبيرة وواسعة تتفق مع انطلاقة العمل السياسي والعام في الأردن والآمال الواسعة التي تشكلت مع المرحلة الديمقراطية والانتخابات النيابية.

ولكن الحركة الإسلامية برغم ذلك كله لم تشكل نفسها وفق هذه المرحلة، كما تحولت الحركة الإسلامية في السودان على سبيل المثال عام 1985 إلى الجبهة الإسلامية القومية بدلا من الإخوان المسلمين، أو كما أسس التجمع اليمني للإصلاح في اليمن، فلا هي تقدمت إلى الحياة السياسية بالمدخلات الجديدة المتاحة ولا بقيت حركة دعوية اجتماعية كما كانت من قبل، وتنازعتها اتجاهات العمل السياسي والنقابي ومصالح مجموعات لم تعد في القيادة ولكنها ظلت تسيطر على موارد الجماعة ومؤسساتها وتتسلح بالتطرف. وغالبا ما يكون التطرف ملجأ تحتمي به المجموعات والمجتمعات أكثر مما هو مكون بنيوي أصيل، وتعرضت مؤسسات الجماعة نفسها لتحديات كبرى لتظل قادرة على التعامل مع صدمة المرحلة.

 مازالت الحركة الإسلامية برغم أهميتها وحضورها لا تقدم رؤية تكافئ الاهتمام الإعلامي والسياسي الكبير الذي تلاقيه، ومازالت مؤسساتها وآليات العمل فيها، برغم رسوخها وأهميتها، لا تتفق مع متطلبات مرحلة العلانية والانتشار وضرورات التنافس الداخلي، الذي يجب التعامل معه باعتباره حقيقة واقعية تؤشر على الحيوية والتنوع، فمازالت ظروف السرية والعلنية والعضوية وقوانين الانتخاب والترشيح لا تحقق معيارا مؤسسيا كافيا لجماعة سياسية واجتماعية ينظر إليها المجتمع والإعلام، بخاصة بعد نتائج الانتخابات الفلسطينية، على أنها الحركة السياسية والاجتماعية المرشحة لتشكيل الحكومات والتأثير في سياسة المنطقة واتجاهاتها وعلاقاتها الدولية والإقليمية وخريطتها الاجتماعية والثقافية القادمة.

فكيف ستطالب الجماعة بقوانين وتشريعات عادلة لتنظيم الحياة السياسية والعامة، ووضوح الإدارة والحكم، وهي لم تغير بعد في أنظمتها الداخلية لتقوم على أسس عادلة وواضحة، ولم تتحول بعد إلى العلانية في العضوية والميزانيات، ولا تعطي النساء إطلاقا، ولا الأعضاء ممن يقل سنهم عن خمس وعشرين سنة حق الترشيح والانتخاب.

بل إن متابعة ما يكتب وينشر حول الجماعة وأنشطتها وما يتعلق بها يدل على غموض يتيح المجال لإنشاء مواقف في الفهم والتقدير والتعامل تضر الحركة الإسلامية أولا وتفيد خصومها.

ففي تحليل ومتابعة ما يجري في الجماعة كانت الصحافة تقع ضحية للتضليل والتحيز الذي يبدو للمطلعين مثيرا للاستغراب، ولكنه بالنسبة للدبلوماسيين والصحافيين والباحثين الأجانب متاهة تضعف ثقتهم بمصداقية السياسيين والصحافيين، وقد صارحني بذلك أحد الباحثين الأجانب، الذي يفترض بداهة أن صدقية وحيادية الأخبار والمعلومات في الصحافة أمر مقدس لأنه في غياب هذه الفرضية سنفقد الثقة بكل شيء.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق