قارئ مهم

تم نشره في الجمعة 3 آذار / مارس 2006. 03:00 صباحاً

العاملون في حقل الاعلام يجتاحهم الارتياح، او حتى الفرح اذا ما قابلهم شخص مهم او سياسي رفيع مشيرا الى انه من قراء هذا الكاتب، او مشتركي تلك الصحيفة، او أنه من متابعي هذا البرنامج الاذاعي او التلفزيوني.

لكن نوعا خاصا من السعادة شعرت به قبل ايام عندما كنت في ساحة مدرسة أطفالي متابعا شؤونهم الدراسية؛ إذ كان هناك احد الصفوف، التي اظنها السادس او السابع الاساسي، في حصة رياضة، وعند اقترابي من باب المدرسة للخروج جاءني احد طلبة هذا الصف، وسألني بشكل مؤدب وجميل: هل انت فلان؟ فأجبته، وعندها قال: انني اقرأ مقالتك كل يوم، وقد قرأت كتابك الاخير الذي وزعته صحيفة "الغد". ويبدو من هيئة هذا الشاب الصغير انه من المجتهدين دراسيا.

فرحتي ليست فرحا شخصيا، ولكن ما يبعث على السعادة هو ان نجد في صفوف ابنائنا الصغار من يمارس القراءة، سواء للصحف او الكتب، او من يواظب على قراءة يومية للصحف في زمن غرق فيه الشباب والشابات في برامج الفضائيات والالعاب والانترنت والقضايا الترفيهية، بحيث اصبح جزء غير قليل منهم تقوم ثقافته على الاستماع والمشاهدة، لا على القراءة والمطالعة! واصبح الترفيه والانترنت هو محور النشاط اليومي، أما القراءة -ان حدثت- فهي لمجلات فنية، والرموز والنماذج في حياة هذه الفئات هم المطربون والممثلات ونجوم الكرة، وغرف الشباب والبنات مكتظة بـ"بوسترات" الفنانات واصحاب الوسامة من الفنانين.

والعديد من الانطباعات المشكّلة من لقاءات او حتى استطلاعات رأي تشير الى ضعف اقبال الشباب على قراءة الصحف، او حتى اقامة اي علاقة مع الكتاب، وهذا الواقع شكل نوعا من الثقافة، وحصيلة معلومات، وطريقة تفكير وربما نهجا في النظر الى الحياة. ما نقوله لا يعني ان الشباب لا يملكون ذخيرة، لكن قانون الطبيعة يقول ان كل مساحة يتم اشغالها إما بما يجب أو بما لا يجب، ولهذا نجد اضمحلالا لأنواع هامة من ضرورات الثقافة، وابتعادا عن اساسيات من الثقافة المرتبطة بهوية المجتمع وحضارته الى عوالم اخرى ظاهرها المعرفة وباطنها غير ذلك.

لا نتحدث هنا عن تشجيع للمطالعة وقراءة الكتب والصحف، لكن جوهر المسألة في نوعية الثقافة والمعلومة، والاهتمامات التي تستحوذ على عقول شبابنا. وعندما نتحدث عن تحولات في هذا المجال، فان هذا ليس مرتبطا فقط بتطورات التكنولوجيا وتأثير الفضائيات، بل له علاقة بتقصير او غياب دور إعلامنا ومدارسنا وجامعاتنا ووزارات الشباب ثم المجلس الاعلى، وكذلك وزارتي الثقافة والاوقاف، في التأثير الحقيقي على شبابنا وثقافتهم وتوجهاتهم.

ومن القضايا الملفتة ان قطاعات الشباب المهتمين بالعمل السياسي، سواء عبر الاحزاب او اهتماما شخصيا بالشأن العام، هم الاكثر عمقا في الاقتراب من الكتاب والصحيفة والقضايا الجادة، وتحصيل اهتمام بقضايا المجتمع والامة، وتبني مواقف بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف معها. واصحاب التجربة في العمل العام، سواء أكان حزبيا أم طلابيا ام تطوعيا، يدركون هذا الواقع، الأمر الذي يعيدنا الى النكهة السياسية للحياة العامة، وقضايا التنمية السياسية. وهنا لا نتحدث عن عمل حزبي معارض او ناقد، بل حالة اهتمام بالشأن العام، وهي غاية لا تتحقق بسهولة، وتحتاج الى قوى دافعة لتجعل الشاب او الفتاة يقرأ كتابا، او يتابع عبر الانترنت قضايا جادة بدلا من قضاء الساعات في الترفيه، او تغطية الجدران بصورة لممثل او ممثلة.

اخطأت عندما لم اتعرف على القارئ المهم الذي قابلته في ساحة المدرسة، لكنني اشكر لمدرسته واسرته صناعة اجواء تشجعه على القراءة، ومن المؤكد انه سيكون شخصا اكثر اتزانا بثقافته واهتماماته من آخرين.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق