إنه الخوف والغضب والكراهية!

تم نشره في الثلاثاء 28 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

عندما تتردى المجتمعات إلى الاتفاق على أن يكون"العامل المشترك الأدنى" الذي يجمعها هو"الخوف والكراهية والغضب" تكون البشرية مقبلة على كارثة قد تدمر كل ما حققه الإنسان من تطور تقني وفكري وحقوقي، لتكون "فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب".

هذا هو ما يجري اليوم في الولايات المتحدة وهي ترفض اتفاقا تجاريا عاديا، لمجرد أن الطرف الآخر فيه "عربي". وهو ما يجري في المملكة وبقية دول العالم الإسلامي عندما يقرر الرأي العام أن كل شعب الدنمارك أشرار كارهون لديننا ونبينا، وهو ما يجري في العراق، ومواطنوه يقادون رغما عنهم وضد رغباتهم إلى حرب أهلية.

ما هو المخرج إذن من هذه الكارثة المقبلة؟ الحل الوحيد الممكن هو أن يتحمل الزعماء مسؤولياتهم بشجاعة ويقفوا ضد حملات التخويف من الآخر ودعوات الكراهية، حتى لو بدا أن ما يتخذون من قرارات ستكون "غير شعبية" وليست في مصلحة حملاتهم الانتخابية أو رغبتهم في رضا العامة عليهم، لا أن ينساقوا خلف الشارع الذي يحركه الفعل الغريزي البسيط "الخوف والكراهية والغضب" وكلها أفعال سريعة الانتشار والاشتعال أيضا.

في الولايات المتحدة الأميركية بات الموضوع الأول الشاغل للرأي العام هو قصة أن"العرب سيديرون موانئ أميركية" بعدما اشترت شركة "موانئ دبي" حق إدارة 6 موانئ أميركية رئيسية من شركة "بي اند او" العالمية ومقرها في لندن. الصفقة عادية جدا، وتحصل كل يوم، وتتوافق تماما مع "عالمية" التجارة وحريتها التي لم تشجعها حكومة قدر الحكومات الأميركية المتعاقبة، حتى كادت أن تجعلها "دين" العالم الجديد. ولكن حقيقة أن الشركة "عربية" جعل أجراس الإنذار تقرع من نيويورك إلى واشنطن، ودخل الساسة الأميركيون في مزايدات على حكوماتهم محورها غريزة "الخوف" التي باتت مسيطرة على الرأي العام الأميركي منذ حادثة 11 سبتمبر.

الغريب أن خبراء الأمن والموانئ يتحدثون كل خمس دقائق على شاشات التلفزيون الأميركية وصحفها قائلين بأنه لا توجد أي دواع لمخاوف أمنية، وأن الأمن والجمارك في يد الأمن الأميركي مباشرة، وأن دور شركة دبي للموانئ يأتي بعدهم، وأنها ستوظف نفس العمال المنضوين تحت النقابات الأميركية. حتى أن أحدهم قال حتى لو أن أسامة بن لادن نفسه اشترى حق إدارة الموانئ فلن يستطيع تهريب سلاح إلى داخل أميركا إلا إذا حصل تواطؤ مع سلطات الجمارك الأميركية، بالرغم من معرفة السياسيين الأميركيين بكل ذلك إلا انهم مدركين لقوة غريزة الخوف، فقد رأوا كيف وظفت الإدارة الحالية هذه الغريزة في جمع التأييد الشعبي لها وكسب الانتخابات الأخيرة، وجعلت من "الخوف" عاملا مشتركا يوحد الشعب الأميركي خلفها، فهل سيدرك الرئيس جورج بوش المؤيد بقوة لصفقة موانئ دبي عواقب الترويج للخوف الذي يمكن أن يخلخل أهم مبادئ السياسة والاقتصاد الأميركيين؟ وهل نكرر نحن الأمر نفسه ولكن عوضا عن غريزة الخوف نسمح لغريزتي الكراهية والغضب أن يكون العامل المشترك الذي يحركنا ويوحدنا؟ هذا ما فعلناه في أزمة الرسوم الدنماركية فبدلا من أن نعالج الإساءة بالحكمة والموعظة الحسنة استسلمنا للكراهية والغضب، بل أصبحت هي العامل المشترك الذي وحد الأمة وليس المشاعر الأسمى والأصعب كالحلم والصبر والعمل الممنهج الذي نكسب به، وقديما قال الفقهاء "إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد". والرخصة من ثقة هي في التعامل مع الآخر ودعوته والكسب منه ومعه، أما المقاطعة والكراهية وإعلان العداوة بالجملة لشعب بأكمله "فيحسنه كل أحد".

من الواضح أن المتطرفين عندنا وعندهم مدركون لنقطة الضعف هذه. فالسياسي اليميني الإيطالي روبرتو كلديرولي الذي ارتدى الرسوم المسيئة للرسول الكريم على قميص واستعرض بها بغباء أمام كاميرات التلفزيون مدرك لعاقبة فعله، انه يريد مزيدا من الغضب الإسلامي، يتمنى لو تنضم إيطاليا إلى قائمة "أعداء المسلمين" التي باتت الدنمارك تتصدرها مزيحة الولايات المتحدة إلى حين، فينعم برد فعل غاضب كإحراق سفارة بلاده أو على الأقل علمها في عاصمة مسلمة، الأمر الذي يخدم أهدافه العنصرية ضد المهاجرين المسلمين فيضيق عليهم أو حتى يشرعن قانونا لإبعادهم عن جنته. المسلمون الغاضبون لم ينتبهوا إلى فعله ففاتته الفرصة وانتهى طريدا خارج حكومته بعدما أدرك رئيس الوزراء الإيطالي سليفيو برلسكوني أن دوره كزعيم هو أن يضع حدا لهذا العبث.

والذين فجروا ضريحي إمامي الشيعة في سامراء يعرفون عواقب ما اقترفت يداهم، انهم مدركون لقوة عامل "الغضب والكراهية" المشترك بين العامة. سيغضب الشيعة ويشعرون "بالخوف" ويحتقنون "بالكراهية" فيكون رد فعلهم الأول هو الانتقام من السنة ومساجدهم، فيرد هؤلاء بانتقام مماثل، فينقاد العراقيون كلهم إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، لتكون بيئة مناسبة للقاعدة ومن يدور في فلكها، ولا بأس عندهم لو تتورط إيران فتبادر إلى نصرة شيعة العراق، ومن بعدها السعودية والأردن لنصرة سنته، فتتسع رقعة الصراع بين اخوة الدين، وحينها تقبل الدنيا على القاعدة من أوسع أبوابها. إنها حرب لا يتمناها غالب أهل العراق، ولا احتاج إلى استطلاع رأي للتدليل على ذلك، ويكفي انهم عاشوا قرونا في سلام متجاورين، ولكن اتفاقهم على ذلك العامل المشترك الأدنى من "الخوف والغضب والكراهية" سيجرهم إلى حرب لا يريدونها.

فهل سيقبل العالم أن يقوده المتطرفون؟ ويفرضوا عليه أجندتهم الخاصة القائمة على الخوف والكراهية والغضب؟ يرد السياسيون مرارا وتكرارا بالرفض. لكن يكفي أن أستمع للسيدة التي يفترض أن تكون عاقلة وذات أفق "أممي" عضوة الكونجرس هيلاري كلينتون وهي تقود حملة ضد صفقة موانئ دبي لأعلم أن المتطرفين نجحوا واخترقوا المنطق السليم الذي اعتقدنا انه سيحمينا من أفكارهم المفعمة بالكراهية.

كاتب ومستشار إعلامي

التعليق