العراق برميل بارود

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

   كانت مروى أسعد التركمانية الأصل تنوي الزواج برجل كردي، لكن حلمها ذهب أدراج الرياح حين أجبرتها عائلتها على فسخ الخطوبة بعيد تعرض أخيها للاختطاف وهو في سيارته وتبين أن الخاطف كردي، وبالتالي لم تعد العائلة راغبة بأن تتزوج ابنتهم برجل من تلك الطائفة.

   وقالت مروى إن حالتها ليست هي الاستثناء الوحيد، فالأوضاع الاجتماعية قد تدهورت في هذه المدينة المتنوعة إثنياً ودينياً منذ سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين في عام 2003.

   في الماضي، كانت محافظة كركوك، وهي محل إقامة مليون كردي وتركماني وعربي وآشوري وكلداني وأرمني، تعتبر البوتقة التي تنصهر فيها كافة الهويات في العراق، لكنها أصبحت الآن برميل بارود قابل للانفجار بسبب العنف الإثني.

   لا شك أن جزءاً من المشكلة سياسي، ذلك أن غياب صدام حسين وحزب البعث جعل القادة السياسيين الذين يمثل معظمهم المجموعات الإثنية والدينية يتصارعون على السلطة. وباتوا يرغبون في بسط نفوذهم على كافة أرجاء المنطقة والأطياف الساكنة فيها. ورغم عدم وجود أرقام موثوقة حول هذا النسيج الديني والطائفي، فإنه يعتقد بأن الأكراد يكونون أكبر طائفة في المحافظة، وبالفعل فاز المرشحون الأكراد بخمسة من المقاعد التسعة المخصصة لها في الانتخابات النيابية التي جرت في كانون الأول الماضي، كما نالوا أكثرية مقاعد المجلس الإقليمي.

   كان صدام حسين قد حاول في الماضي تقليل أعداد الأكراد في المنطقة عبر نقلهم بالقوة إلى أماكن أخرى واستبدالهم بعرب فقراء من الجنوب. لكن بعضاً من هؤلاء الأكراد المهجرين عادوا الآن إلى المدينة. وهم يسعون حالياً إلى بسط سيطرتهم السياسية في المنطقة؛ وكما هو متوقع، لم تلق تلك الحركة ترحيباً بين الطوائف الأخرى الذين يسيطرون بالفعل على بعض مناطق المحافظة.

   وحتى فترة غير بعيدة اقتصر الصراع على شعارات استفزازية معلقة في الشوارع تسيطر عليها إحدى الطوائف في المدينة. يقول عمر محمد (عربي الأصل): "إنك تشاهد شعارات استفزازية مثل "يعيش التركمان" في الأحياء التي يسيطر عليها أبناء هذه الطائفة، كما وتشاهد في المناطق الكردية شعارات تعادلها إثارة للنعرات مثل "يحيا الزعيم جلال" في إشارة إلى رئيس الجمهورية العراقية الكردي الأصول جلال طالباني، أو حتى شعارات مثل "كركوك جزء لا يتجزأ من كردستان". لكن الوضع تغير في الشهر الماضي بعد انفجار عدة سيارات ملغومة أمام كنائس مسيحية في المدينة، أدت إلى وفاة رجل واحد.

   ويوجه "علي مهدي" نائب رئيس حزب إيلاي التركماني المسؤولية للأكراد على التصعيد الحاصل، وقال: "إنهم يتبعون نفس نهج النظام البعثي، فهم يزرعون الحقد والشقاق بين سكان كركوك إلى درجة أثرت في العلاقات اليومية بين الناس"، ويتابع قائلاً: "تقع عليهم مسؤولية زرع بذور الفتنة في كركوك".

   لكن الأكراد يصرون على أنهم أيضاً ضحايا العنف الإثني، وفي هذا السياق يقول وليد علي، الذي ترك "حويجة" وهي مدينة في جنوب المحافظة بعد مقتل عدد من الأكراد على يد مسلحين وصفهم بالنشطاء العرب، "لقد عشت في الحويجة لثلاثين سنة. ولكن نظرة العرب تجاهنا تغيرت مع سقوط النظام، فقد اتهموا الأكراد بمساعدة الأميركيين في سعيهم لإسقاط صدام".

   وبينما ينظر للأكراد على أنهم حلفاء الأميركيين، يشكو العرب من أن الأكراد يحملونهم مسؤولية الجرائم التي ارتكبت في العهد السابق. يقول سامي النعمي في هذا السياق: "إنهم يحملوننا مسؤولية ما فعله صدام ونظامه كما لو أن العرب كلهم اشتركوا في هذه الجرائم". ويصر القادة الأكراد على أنهم غير مسؤولين عن التصعيد الحاصل.

   وتقول "نسرين خالد"، وهي عضو كردي في مجلس كركوك الإقليمي: "نحن لا نفرق بين المجموعات الإثنية، وإنما نعمل لصالح سكان كركوك بكاملهم". ويقول "محمد الجبار، وهو عالم اجتماع: "لا يوجد تعايش سلمي بين المجموعات الإثنية كما تدعي وسائل الإعلام والسياسيون، لقد تغير الساسة وكذلك السياسات المتبعة، ومع ذلك فإن حالة من عدم الثقة قد نشأت بين المجموعات كافة، وازداد التوتر حدة".

   وتقول مروى أسعد: "لقد أضرت السياسات التي تتبعها الأحزاب بالوضع وتفشت الطائفية بشكل كبير، حتى أنها أثرت على الروابط الأسرية، وهذا ما حصل معي... لطالما تمنينا العيش في ظل الديمقراطية والحرية. ولكن، انظروا إلى الثمن الذي ندفعه الآن".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة "كي آر تي"

التعليق