الكذبة التي طالت أكثر مما يجب!

تم نشره في الأحد 19 شباط / فبراير 2006. 03:00 صباحاً

   للمرة الأولى منذ فترة طويلة، يوجد في لبنان من يقول الحقيقة من دون مواربة بعيداً عن أي نوع من التزلف والتملّق لهذا الطرف أو ذاك. الحقيقة كما يجب أن تُقال من دون مواربة، أي المشكلة التي يعاني منها لبنان فعلاً. هل مسموح له أن يكون بلداً ووطناً أم يبقى مجرّد "ساحة" للنزاعات الإقليمية؟

   أبعد من الجدل الدائر حالياً في شأن مزارع شبعا، وهي أرض لبنانية ينطبق عليها للأسف القرار (242) باعتبار أنها احتلّت (1967)، ولا بد من أن تتوضّح في ذهن اللبنانيين والعرب الفكرة التي يتحدّث عنها هذه الأيام الزعيم الوطني وليد جنبلاط.

   تكمن المشكلة أن لبنان، المغلوب على أمره، قََبل ضمناً أن تكون مزارع شبعا تحت السيطرة السورية في الخمسينيات لأسباب مرتبطة بالأمن السوري كما أدّعت دمشق في حينه. وقد دخلت الى شبعا قوات سورية قبل عشر سنوات من وقوع حرب (1967) وطردت العناصر التي كانت في المخافر اللبنانية الموجودة في المنطقة. لم يثر لبنان القضية وقتذاك خشية الاصطدام بالحكومة السورية، لكنّ الرئيس سامي الصلح الذي كان رئيساً للوزراء في عهد الرئيس كميل شمعون أشار الى الموضوع في مذكراته، التي صدرت لاحقا، وأكد أن السوريين سيطروا على المزارع بالقوة في العام 1957. كل ما في الأمر أن مزارع شبعا لبنانية وهي مملوكة من لبنانيين، لكنّ سورية ضمتها بطريقتها الخاصة من دون أن يعترض لبنان لدى الهيئات الدولية أو الإقليمية على ما حصل حين كان يجب أن يعترض. ووثّق لبنان عملية الضم واعترف بها بصمت عبر خارطة رسمية وضعها الجيش اللبناني تعود الى العام 1962. ولدى وليد جنبلاط نسخة من الخارطة عرضها على زوّاره قبل أيام.

   خسرت سورية شبعا مع الجولان. وعندما توصلت الى اتفاق فك الاشتباك الأول والأخير مع اسرائيل (1974)، انتشرت قوة المراقبين الدولية في الجولان بموجب خرائط دولية، لم تعترض دمشق عليها. أخذت الخرائط  في الاعتبار أن مزارع شبعا أرض سورية ينطبق عليها القرار 242، الصادر عام (1967).

   هذه هي قصة مزارع شبعا بكلّ بساطة، وهي قصة تدعم وجهة نظر وليد جنبلاط الذي يعتبر أن القضية كلها قضية مفتعلة من ألفها الى يائها، وذلك كي يبقى لبنان أسير المحور الإيراني- السوري الذي يمثله "حزب الله" الميليشيا الوحيدة المسلّحة في لبنان. أما التفسيرات التي أعطاها السيّد حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله" في خطابه الأخير قبل أيام لتبرير ضرورة تحرير مزارع شبعا كونها أرضاً لبنانية، فإنها لا تتجاوز قضية البحث المستمر عن سبب ليظلّ لبنان ورقة في يد الحلف الإيراني- السوري المصرّ على استنزاف لبنان وشعبه.

   لا داعي لإثارة موضوع المقاومة ودورها في تحرير الجنوب من الاحتلال ومناقشته والبحث جدّياً في ما إذا كانت لا تزال ثمة حاجة اليها. هذه أمور سيحكم عليها التاريخ يوماً، لكن ثمة ما يدعو حالياً الى قول كلام جدّي في شأن الضرر الذي يلحق بلبنان جراء بقاء جبهة الجنوب مفتوحة، في وقت أعلنت الأمم المتحّدة ومعها المجتمع الدولي أن على لبنان احترام ما يسمّى "الخط الأزرق" الذي انسحبت اليه إسرائيل في العام 2000. هذا الخط، وهو خط الهدنة، يمثل الى حدّ كبير الحدود التي بين لبنان وفلسطين. وبغض النظر عن مسألة ترسيم الحدود النهائية للبنان في تلك المنطقة، يظل السؤال الأساسي ماذا يريد اللبنانيون؟ هل يريدون تحرير فلسطين انطلاقاً من جنوب لبنان أم يريدون حماية المفاعل النووي الإيراني عبر ميليشيا "حزب الله" التي تجعل النظام الإيراني على تماس مع اسرائيل؟

   في النهاية لا وجود لرأي لبناني موحّد في سلاح "حزب الله"، ذلك أن هذا السلاح نتيجة منطقية لمعادلة سياسية وأمنية معينة كانت مسيطرة على لبنان. وأتاحت هذه المعادلة للحزب إقامة دولة خاصة به في لبنان بعدما حوّل مناطق عدة جزراً أمنية تابعة له. أي مستقبل للبنان في ظل استمرار وجود هذه الجزر؟ هل يمكن بناء دولة لبنانية ما دامت هذه الجزر قائمة؟

   لقد تبين من تجارب الماضي ألا مجال لأي تعايش بين منطق الدولة ومنطق الثورة. وما يقوم به "حزب الله" حالياً تكرار تلك التجربة. الرهان لدى الحزب على أن المنطقين يمكن أن يتعايشا ما دام المسلّحون الذين في إمرته من اللبنانيين. نعم أنهم لبنانيون، أنهم مواطنون يمتلكون الحقوق نفسها التي يمتلكها أي مواطن آخر. ولكن ماذا عن الواجبات المترتبة على المواطن اللبناني تجاه بلده ودولته التي لا أحد غيرها يمكن أن يحميه ويحمي مستقبله ومستقبل أولاده؟

   من واجب كل سياسي لبناني في هذه المرحلة دعم موقف وليد جنبلاط. وبكلام أوضح، من واجب المسيحيين توفير غطاء لطرح وليد جنبلاط الذي تبيّن أنه سياسي عربي من الطراز الرفيع بسبب قدرته على ربط الأوضاع الداخلية بالأوضاع الإقليمية ربطاً محكماً لا تستطيع القيام به سوى قلة من اللبنانيين لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة. واذا كان زعماء السنّة في لبنان غير قادرين على قول رأيهم الصريح بسلاح "حزب الله" بسبب الخوف الحقيقي من حرب ذات طابع مذهبي، لابد أن يخرج سياسيون ومثقّفون شيعة عن صمتهم لقول رأيهم الواضح والحقيقي في الحزب وسلاحه وممارساته التي بدأت بإسكات كل صوت شيعي له معنى، ارضاء للمرجعية الايرانية للحزب. لقد كان المثقفون الشيعة الضحية الأولى  لـ"حزب الله" وذلك قبل أن تبدأ موجة خطف الأجانب في لبنان.

   لابد لكل لبناني أن يتذكّر في نهاية المطاف ألا وجود لأكثرية ذات طابع ديني أو مذهبي في لبنان بغض النظر عن الأرقام التي تشير الى أن عدد المسلمين يفوق عدد المسيحيين. هذه ليست المسألة، نظراً الى أن كل طائفة لبنانية أقليّة في حدّ ذاتها. لبنان مجموعة أقلّيات لا أكثر ولا أقلّ وكل ما عدا ذلك كلام لا معنى له. ولو لم يكن الأمر كذلك، لما اضطر "حزب الله" الى التخلي عن مشروعه الأصلي بإقامة "جمهورية اسلامية" في لبنان على نسق الجمهورية التي أقيمت في ايران. اكثر من ذلك، إن لشيعة لبنان مصلحة حقيقية في لبنان السيّد المستقل تفوق حتى مصلحة المسيحيين والسنّة، السنّة الذين اكتشفوا في السنوات الأخيرة أن باستطاعتهم اجتراح المعجزات متى تعاونوا مع اخوانهم المسيحيين من أجل لبنان ولا شيء غير لبنان.

   من يريد التأكد من ذلك يستطيع العودة الى ما حصل من أحداث  خلال سنة (أي منذ 14 شباط- فبراير 2005). من أبرز ما حدث بعد استشهاد رفيق الحريري، نزول أهل السنّة الى الشارع واخراج القوات السورية من لبنان، في وقت لم يكن أحد يتجرأ حتى على أن يحلم بخروج العسكر السوري من البلد.

   آن لتلك الكذبة التي اسمها مزارع شبعا أن تنتهي. هذه الكذبة طالت أكثر مما يجب. فإما أن يعود لبنان وطناً وإما أن يبقى "ساحة". إما أن ينتصر منطق الدولة وإما لا قيامة للبلد. ثمّة حاجة قبل كل شيء الى رجال من كلّ الطوائف يدعمون وليد جنبلاط الذي لا يقول هذه الأيام سوى الحق مدركاً الأبعاد التي ستترتب على بقاء لبنان أسيراً لسياسات لا علاقة له بها، أسير سياسات تسعى الى عقد صفقات مع "الشيطان الأكبر" على حسابه ليس الاّ. هل من طموح لدى النظام الإيراني أو النظام السوري غير الوصول الى مثل هذا النوع من الصفقات؟ لو كان الأمر مختلفاً لماذا أيّدت طهران كل خطوة أقدم عليها الاحتلال الأميركي في العراق؟ هل يستطيع "حزب الله" وغير "حزب الله" الإجابة عن هذا السؤال وعن غيره من الأسئلة المتعلّقة بالتواطؤ الإيراني مع الأميركيين في العراق؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق