رسالة إنسانية وإهانة إرهابية

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

من سوء الحظ ان تتوافق الحملة الظالمة على الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في بعض صحف أوروبا مع مناسبة حضارية لكل ابناء الأمة الإسلامية وهي هجرته (عليه السلام) التي أصبحت عنوانا وموعدا للتاريخ الهجري، وهو تأريخٌ لحضارة، وتاريخُ تحولٍ في مسار العالم.

الهجرة النبوية ليست مناسبة دينية بل موعد حضاري لكل الأمة عربا ومسلمين، فالحضارة والدولة التي قامت لم تكن للمسلمين بل لكل اهلها من مسلمين ومسيحيين ويهود. وكما ان ميلاد سيدنا عيسى عليه السلام موعد مع رسالة سماوية سمحة يؤمن بها المسلمون، فإن هجرة محمد (عليه السلام) كانت فتحا لبناء حضارة عربية واسلامية بل وانسانية سواء لمن آمن بالاسلام او احتفظ بعقيدته وحقه الذي كفله له الاسلام بقوله تعالى "لا إكراه في الدين"، والشريعة التي وضعت نصوصا واحكاما لغير المسلمين داخل اطار الدولة، فلو كانت حرية الاعتقاد غير مكفولة وغير مصانة لما كانت هذه الاحكام.

ولهذا فعندما تمارس بعض الصحف الدنمركية والنرويجية إساءة للرسول الكريم فإنها توجه رسالة اساءة للحضارة الانسانية التي جاءت بها الرسالة المحمدية، وتقصد استفزاز مئات الملايين من المسلمين، وكل انسان يرى في الدين الاسلامي حضارة وفكرا وقيما حتى وان لم يعتنق العقيدة الاسلامية، ولأن هذه الاساءة اخذت طابعا سياسيا متطرفا في زمن اتهامٍ للاسلام والمسلمين بالارهاب والتطرف، لهذا كانت ردة الفعل الشعبية والرسمية في العالم العربي والاسلامي قوية. فرسالة التطرف التي وجهتها الصحف الدنمركية والنرويجية استفزت مشاعر الناس، فكان رد الفعل الغاضب ايجابيا ومثمرا عبر وسائل ضغط يفهمها المجتمع الغربي من مقاطعة لبضائع تلك الدول وتوجيه المذكرات والبيانات الضاغطة، حتى ان بعض الشركات تحدثت عن انخفاظ مبيعات منتجاتها في اسواق عربية واسلامية، وهذه الوسائل تجعل المجتمع الغربي يشعر بآثار مباشرة لتطرف وارهاب اجزاء منه يمارس تحت حجج حرية الإعلام.

ولعل الامر الإيجابي ان ردة الفعل الشعبية ترافقت مع ردود فعل رسمية قوية من اغلاق للسفارات او استدعاء لسفراء الدنمرك والنرويج من قبل وزارات خارجية عربية للاحتجاج. لكن السؤال: ما الذي نريده؟ اننا نريد ان تصل رسالة الشارع العربي والاسلامي الى المجتمعات والحكومات الغربية، وحين نحصل على اعترافٍ بأن ما جرى كان اساءة وتطرفا بحق الاسلام والرسول عليه السلام، واعتذارٍ عما جرى فهذا هو الهدف، وان تشعر تلك المجتمعات بأن عليها احترام حقوق المجتمعات العربية والاسلامية، وقيمها ورموزها، وحتى يسمع العالم ان لغة التطرف ليست (ماركة) مسجلة للعرب والمسلمين، وانما لغة يمارسها اصحاب الفكر المنحرف ايا كانت هويتهم الحضارية، وان العرب والمسلمين الذين يرفضون تطرف بعض مجموعات في داخلهم يعانون من ارهاب رفيع المستوى تقوم به جيوش الاحتلال في ارضهم وسيادتهم وانسانهم.

الدين ليس فقط عبادات وقيما شخصية، بل هوية. والاسلام، الذي بدأ مرحلة الدولة بهجرة الرسول الكريم (عليه السلام)، هوية لكل ابناء الامة بل لكل انسان منصف، فمضامينه الاخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية قادرة على تشكيل هوية انسانية حتى وان احتفظ بمعتقداته.

الرسول (عليه السلام) هو الذي علمنا ان حرمان قطة من الطعام يذهب بصاحبه الى النار، وان قسوة اهله في مكة لم تدفعه الا لطلب الهدايا لهم، واختار بعد رحلة عذاب في الطائف ان يدعو لأهلها لا ان يصبهم عقاب الله، وهو الذي جعل الموت دون المال والاهل شهادة، ووضع قواعد ايمانية للوطنية حين تحدث الى وطنه مكة وهو يهاجر "انكِ لأحب البقاع إليّ ولولا ان اهلك اخرجوني منك ما خرجت"، وهو الذي جعل خيار الناس خيارهم لأهلهم وعائلاتهم، واخبرنا ان إنفاق الرجل على أسرته عبادة، وان رفض الظلم وضياع الحقوق واجب ديني، وهو عليه السلام الذي جاء نبيا حامل رسالة لكل البشر.

لكل هذا وغيره فإنه (عليه السلام) لا يستحق حتى من غير المسلمين الا الاحترام وليس التطرف والاستهزاء.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق