إلى أين تقود حماس الفلسطينيين؟

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2006. 02:00 صباحاً

الى أين ستأخذ "حماس" الشعب الفلسطيني، الآن وقد وصلت الى السلطة بفضل اتفاق أوسلو الذي لم تتوقف عن لعنه؟ من الواضح أن على الحركة التي يمكن أن يؤدي الانتصار الكبير الذي حققته في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الى نهاية "فتح"، أي طي صفحة فلسطينية وعربية عمرها يزيد على أربعين عاماً، أن تتغير في حال كانت تريد بالفعل السعي الى إقامة دولة فلسطينية تحقيقاً لتطلعات الشعب الفلسطيني بإيجاد مكان له على الخريطة الجغرافية للشرق الأوسط.

في حال لم تتبدل"حماس"، ستكون منظمة التحرير الفلسطينية الضحية الثانية بعد"فتح"، هذا إذا لم تكن هناك في"فتح" قوى على استعداد للرد على الهزيمة الانتخابية. فما لا بد من تذكّره دائماً أن المنظمة أعلنت صراحة قبولها تسوية تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام استناداً الى القرار الرقم 242 الصادر عن مجلس الأمن. أكثر من ذلك اعلنت المنظمة الاستقلال الفلسطيني وقيام الدولة المستقلة مع اعترافها بالقرار 242 في تشرين الثاني من العام 1988 في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في الجزائر. هل باستطاعة الوضع الفلسطيني تحمّل صدام بين استراتيجيتي"حماس" المصرة على تحرير كل فلسطين من جهة ومنظمة التحرير الفلسطينية التي حددت أهدافها بوضوح من جهة أخرى؟ ثم ما الذي سيحصل في حال أصرّت"حماس"، على سبيل المثال، على تغيير ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج ما دامت ستشكّل الحكومة الجديدة متذرعة بأنها المسؤولة عن السياسة الخارجية الفلسطينية والعلاقات بين السلطة الوطنية والعالم كما الحال في عهد الحكومة الحالية التي قدمت استقالتها بعد الانتخابات. هل يقبل العالم بأن يكون ممثلو السلطة الوطنية في الخارج ممثلين لسياسة حماس؟ الا يمكن أن يعني ذلك قطع العلاقات بين عدد لا بأس به من الدول المهمة والسلطة الوطنية الفلسطينية، خصوصاً في حال حصول صدام بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ ربما كان المخرج بأن تبقى السياسة الخارجية الفلسطينية تحت إشراف السيد محمود عبّاس(أبومازن)الذي هو في الوقت ذاته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. والى اشعار آخر، أن المنظمة لا تزال مرجعية السلطة الوطنية وهو ما يتوجّب على"حماس" أن تتذكره قبل أن تعتبر أنها صارت طليقة اليدين في الذهاب بعيداً في تنفيذ استراتيجيتها. وكان"ابو مازن" واضحاً كل الوضوح في الكلمة القصيرة التي ألقاها مساء الخميس الماضي بعيد إعلان نتائج الانتخابات عن التزامه البرنامج الذي انتخب على أساسه رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهو برنامج يستند الى البرنامج الوطني الفلسطيني الذي يدعو الى إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة عاصمتها القدس الشريف. والأهم من ذلك أن"ابو مازن" ركز على اعتماد العمل الدبلوماسي بغية تحقيق هذا الهدف.

يبدو تغيير"حماس" لاستراتيجيتها مصلحة فلسطينية أوّلاً، لا لشيء سوى لأن التمسك بالشعارات الفضفاضة من نوع أن"فلسطين وقف إسلامي" وأن اقصى ما يمكن أن تصل اليه الحركة مع إسرائيل هو هدنة طويلة الأمد وأن الهدف النهائي تحرير الأرض، كل الأرض الفلسطينية، من النهر الى البحر يشكل الطريق الأقصر الى مزيد من المآسي الفلسطينية في ظروف إقليمية أقل ما يمكن أن توصف به أنها صعبة ومعقّدة. ولعل أخطر ما في طرح"حماس" التي استفادت أوّلا من الأزمة العميقة التي تعيشها"فتح" في ضوء رحيل ياسر عرفات، أن الاحتلال الإسرائيلي يمتلك مشروعاً للمرحلة المقبلة يقوم على رسم حدود دولة إسرائيل من جانب واحد عبر استكمال بناء"الجدار الأمني" الذي يبتلع أجزاء من الضفة الغربية إضافة الى القدس، كل القدس، التي يصرّ أحد قادة "حماس" على أنه يريد تحريرها بالكامل، رافضاً الاكتفاء بالقدس الشرقية، أي القدس الشريف على حد تعبير "ابوعمّار".

يفترض في"حماس" الاّ تتصرف بطريقة تسهّل على إسرائيل تنفيذ هذا المشروع الاستعماري الذي يستهدف خلق أمر واقع جديد على الأرض الفلسطينية، المطلوب أن ينسحب الاحتلال منها. ومن المستحسن الاّ يغيب عن بال الحركة الإسلامية ان الهدنة الطويلة التي يتحدّث عنها قادة "حماس" طلب إسرائيلي، ذلك أنه تحت مبرر العمليات الانتحارية وفوضى السلاح الفلسطيني، رفضت إسرائيل الدخول في مفاوضات جدية لتنفيذ ما يسمى"خريطة الطريق". وكانت الحجة الدائمة لأرييل شارون في السنوات الأربع الأخيرة أنه لا يوجد شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. وتفنّن شارون الذي يقف وراء المشروع الاستعماري الجديد في إيجاد الأعذار لتبرير عدم تقديم شيء لـ"أبومازن" تحت اي ظرف من الظروف. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، قبل دخوله في غيبوبته الطويلة التي يستبعد خروجه منها يوماً، يتذرع دائماً بسلاح "حماس" وعملياتها للتهرّب من أي لقاء مع"أبومازن". واضطرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الى التدخل شخصياً وتمديد زيارتها للمنطقة بغية فتح معبر رفح الذي حال دون تحوّل غزة الى سجن كبير بعد الانسحاب الإسرائيلي الصيف الماضي.

لا يزال مبكراً تحديد سلوك"حماس" في المرحلة المقبلة. لكن ذلك لا يحول دون طرح سلسلة من الأسئلة من بينها: هل تعتقد الحركة أن في استطاعتها السيطرة لاحقاً على منظمة التحرير الفلسطينية بعد نجاحها في تقليص حجم"فتح"؟ الأكيد ان اسرائيل ليست منزعجة من وصول الحركة الاسلامية الى السلطة، ذلك ان رفض التفاوض مطلب اسرائيلي قبل أن يكون مطلباً فلسطينياً يرفعه ذوو الشعارات الطنانة... أما الباقي، فهو مرتبط الى حدّ كبير بقدرة"حماس" على التطور والتفاعل مع ما يدور في المنطقة وفي العالم. فإذا احسنت الحركة التعاطي مع الواقع، تكون حققت ما تطمح اليه على الصعيد الداخلي الفلسطيني، أي السعي الى أن تكون هناك إدارة فلسطينية فعالة تعمل في خدمة الشعب الفلسطيني بعيداً عن أي نوع من الفساد. أما اذا سعت الحركة الى لعب دور مختلف، اي الى تعطيل العملية السلمية، ستدخل عندئذ في صدام مع المجتمع الدولي، وسيتبين أن "حماس" ليست حركة فلسطينية بمقدار ما أنها مرتبطة بمحور أقليمي يبدأ في طهران وينتهي في فلسطين مروراً بدمشق وجنوب لبنان. وهذا يعني في ختام المطاف رغبة واضحة في الدخول في صدام مع منظمة التحرير الفلسطينية والسعي الى إلغائها، بل الى تحويلها أداة في المحور الإقليمي الذي تتزعمه ايران.

ما الذي ستفعله"حماس"؟ الأيام المقبلة ستظهر هل القرار الذي تتخذه الحركة قرارا مستقلا أم أنه قرار يتخذ بالنيابة عنها في طهران وغير طهران. سيتوجب على "حماس" إثبات أنها حركة مستقلة بالفعل تأخذ في الاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات، كذلك يفترض في الحركة أن تأخذ في الاعتبار أن عليها تأكيد أنها لا تعمل في فراغ، ذلك أنه يتوجب أن تصنع فارقاً، أي أن عليها تحمّل مسؤولياتها لجهة توفير حياة كريمة للشعب الفلسطيني بدل التسبب في قطع الكهرباء والماء عنه ووضعه في سجن كبير، سجن الاحتلال.

ان "حماس" في السلطة غير "حماس" في المعارضة، أو هكذا يؤمل. والمهم وسط كل ما يجري أن تتذكر "حماس" دائماً أن الشعب الفلسطيني شعب مسيّس وانه ليس من السهل الضحك عليه بالشعارات على المدى البعيد. والأهم من ذلك كله، أن الشعب الفلسطيني سيدرك قريباً ما اذا كان ارتكب خطأ سيندم عليه طويلاً عندما صوّت لمرشحي "حماس" نكاية بـ"فتح" ليس إلاّ. النكايات لا تصنع سياسة. والمؤسف القول هذه المرة أن النكايات يمكن أن تعيد الشعب الفلسطيني ما يزيد على نصف قرن الى خلف.

إذا لم تحسن "حماس" التصرف وإذا تمسكت بخطابها الأيدولوجي القائم، لن يكون أمام الفلسطينيين بعد اسابيع قليلة سوى الترحّم على أحمد الشقيري والبكاء دماً عليه، هو الذي كان أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي ألصقت بشخصه، عن حق أو غير حق، عبارة الإصرار على رمي اليهود في البحر. وسيترحم الفلسطينيون، في حال لم تتغيّر "حماس"، حتى على الأيام التي كانت فيها الشعارات تختزل السياسة. على رأس تلك الشعارات واحد جلب على العرب والفلسطينيين الكوارث ولا شيء غير الكوارث. إنه شعار: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".

الخيار واضح أمام"حماس" بعد وصولها الى السلطة بفضل اتفاق اوسلو، إما تكون مع الشعب الفلسطيني وإما تضع نفسها في خدمة إسرائيل من حيث تدري أو لا تدري. والى إشعار آخر تظل الشعارات والسلاح المشرع الطريق الأقصر كي تكون"حماس" في خدمة المشروع الإسرائيلي الذي يرى فيما يمثله"ابو مازن" عدوه الأول!

كاتب لبناني مقيم قي لندن

التعليق