إيران النوويّة مرة أخرى

تم نشره في الثلاثاء 24 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

إذا ما نُظر الى الأمور نظرة عداليّة بسيطة، جاز القول بحق إيران في امتلاك قنبلة نوويّة. ذاك أن الهند وباكستان في شرقها تملكان قنبلتيهما، والشيء نفسه يصحّ على إسرائيل في غربها وعلى روسيا في شمالها. بيد أن ما يثير الرفض لامتلاك إيران قنبلة كهذه يعود الى أسباب عدّة أحدها، من غير شك، النفاق و"الكيل بمكيالين"، وإن كان السبب هذا لا يكفي لحجب الأسباب الجديّة الأخرى التي تملك مصداقية ما.

فالسلطة السياسيّة في إيران هي، في واقع أمرها، "جمهورية إسلامية" يتدخّل الغيبيّ في صنع قراراتها الكبرى. وكما هو معروف ترافقت ولادة الجمهوريّة هذه مع إخلال غير مسبوق بالمعايير الديبلوماسية"الغربية" (التي لا تنطبق علينا!) جسّده الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران واحتجاز العاملين فيها. وأهم من ذلك أن السلطة المذكورة لم تعد تتمثّل بوجه عاقل وموزون كالرئيس السابق محمد خاتمي، بل صار يمثّلها رجل يصعب الاطمئنان الى رجاحته الفكرية كالرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد. فهذا الأخير لم يعلن فحسب رغبته في إزالة إسرائيل عن الخريطة ونقل يهودها الى أوروبا، فضلاً عن التشكيك بالمحرقة النازيّة، وهي كلها علامات اخلال بما تواضعت وتتواضع عليه دول الأمم المتحدة وسائر المنظمات الدوليّة المنبثقة منها أو الموازية لها. فهو، الى ذلك، ينتمي الى مجموعة"الحجتيّة" المتطرّفة والرؤيويّة التي تؤكد على تبكير الإمام المهديّ في القدوم والحلول بيننا على هذا الكوكب فيما تشدّد، وهو الأخطر، على دفع الأمور في اتجاه التأزيم والخراب لإحداث مزيد من التعجيل والإلحاح في استدعاء الإمام.

ولئن نسب أحمدي نجاد الى نفسه صلة مباشرة بالمهدي، لا تخلو من جلسات مشتركة بينهما، بقي أن هذا الوعي الخطير من السمات الملازمة للوعي القياميّ الذي نجده في الفرق الأصولية الأكثر تطرفاً، يهودية كانت أم مسيحية أم مسلمة، سنّية أم شيعية. ذاك ان النور، تبعاً لها، لا يظهر إلا بعد أن تعمّ الظلمة، والعدل لا يأتي إلا بعد أن يشيع الظلم. وما وظيفة المؤمنين، بموجب السيناريو هذا، غير مفاقمة الفظائع تمهيداً للحل المرتجى.

والحال أن أفكاراً كهذه قد تسللت الى الثقافات الشعبية والشفوية على ما نجد في أمثلة و"حِكَم" من نوع "إذا ما كبرت ما بتصغر" أو "اشتدي أزمة تنفرجي" أو "يا هيك يا هيك". لا بل تأثرت حركات راديكالية، علمانية وملحدة، بهذا التصوّر الرؤيوي على ما تدلنا الماركسيّة مثلاً في توكيدها على "الفقر المطلق" مفجّراً للثورة، أو رفض بعض الحركات الفوضويّة والنقابيّة الأوروبيّة لكل عمل اصلاحيّ يحفّف عيوب النظام ويرتدّ ببعض النفع على فئات اجتماعية مغبونة. فهو، في عرف تلك الحركات، مسار تدرّجي يخدّر الجماهير بالأوهام ويؤخّر الثورة والخلاص الكامن فيها.

لكن أحمدي نجاد، فوق هذا، لم تُبرّأ ساحته تماماً من تهمتين كبريين، وإن كان من غير الثابت تورطه فيهما. فهو متهم بالمشاركة، كخمينيٍّ شاب، في عملية السفارة الأميركية عام 1979، كما أنه متهم بالقيام، بعد عشر سنوات، باغتيال الزعيم الكردي الإيراني عبد الرحمن قاسلمو في فيينا. ويقال، في هذا الصدد، إن أحمدي نجاد لم يغادر إيران، طوال حياته كلها، إلا يومذاك حين قصد النمسا.

الى ذلك، وبسبب الخريطة المذهبيّة للمنطقة وما يشوبها من تعاظم في الحساسيّات السنّية- الشيعية، لا بدّ لقنبلة إيرانية أن تدفع بلداناً، كتركيا أو السعودية أو مصر أو غيرها، الى السعي وراء قنابل موازية ورادعة. وهو ما يعني، بدوره، أن المنطقة جُعلت برمّتها منطقةً ذات أنياب نوويّة تحيط بآبار النفط وممراته، كما تهدد أوروبا من جنوبها. وهنا، يحضر العامل الإسرائيلي: صحيح أن الغرب عموماً لا يحب أن يرى سلاحاً نووياً في يد بلد يعادي الدولة العبريّة وتعاديه، لاعتباره أن السلاح المذكور هو المعادل الإسرائيلي لسلاح العدوّ العربي والإسلامي، فمتى توافر لإيران زالت فعاليّته تماماً كقوة ردع تضمن إسرائيل. بيد أن الصحيح أيضاً أن الدول المعنيّة بمسألة الذرّة الإيرانية، والرقعة البالغة الاتساع للقضايا التي تثيرها، تجعل الموضوع الإسرائيلي تفصيلاً صغيراً. هكذا، مثلاً، رأينا الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وعلى نحو غير مسبوق ولا مألوف، يتحدث عن استخدام أسلحة غير تقليديّة في ما لو تعرض بلده لخطر أسلحة الدمار الشامل. ومن ناحيتها، لم تكتم الدول الخليجيّة مخاوفها الكبرى حيال التطور الإيراني، فعبّر بعض ديبلوماسييها الأشد حذراً واقتصاداً في التعبير عن مشاعر حادّة.

لقد نجحت طهران في إثارة الريبة على نطاق واسع بعدما تكتّمت على المشروع فتُرك أمر كشفه للاجئين ومنفيين إيرانيين الى الخارج. وتوسّعت الريبة عندما رفضت قبول العرض الروسي بإجراء عمليات تخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية(علماً بأن موسكو، لأسباب خاصّة بها، عادت وخففّت من ذاك الرفض). وفي الاتجاه نفسه عمل تنامي النفوذ الإيراني في العراق، وصلات طهران بـ "حزب الله" اللبناني، وبـ "الجهاد الإسلامي" و"حماس" الفلسطينيتين، فضلاً عن النظام السوري المعزول والمتهم باغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري. وليس بلا دلالة أن يتكاتف نظاما طهران ودمشق في عزلتهما الراهنة، على ما أشارت بوضوح زيارة أحمدي نجاد، قبل أيام، العاصمة السوريّة.

وبلغة أخرى، فإن المشروع النوويّ لطهران يُراد له أن يواكب مشروعاً اقليمياً وامبراطورياً يصطدم، هو الآخر، بشروط الاستقرار والتقدم في منطقة الشرق الأوسط ككل. ولئن تولّى الإيرانيّون افشال الأوروبيين ممن فاوضوهم طويلاً، فإنما أعلنوا، بهذا، اندفاع المشكلة الى محطة أخطر يتواجهون فيها مع الأميركان من دون وسائط. وأمام فداحة وضع كهذا، يصبح الأمل الوحيد مُعلّقاً على الرجاحة الأميركية. فهل تملك إدارة جورج بوش منها أكثر مما تملك"إدارة" أحمدي نجاد بحيث تمتنع عن توجيه ضربة، أو ضربات، عسكرية؟

أما السؤال الأبعد فيبدو من السذاجة أن يُطرح اليوم، وهو: متى تظهر الزعامة الغربيّة، القويّة والعاقلة في آن، التي تطرح على أجندة العالم، وفي عداده الشرق الأوسط طبعاً، مهمة العيش من دون أسلحة نووية؟

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق