إبراهيم غرايبة

العيد والبهجة التي تتحول إلى عطاء

تم نشره في الثلاثاء 10 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

يترسخ العيد في مفهومنا الاجتماعي (للمسلمين والمسيحيين على السواء) على أنه مناسبة للواجبات الاجتماعية، التزاور والتهنئة وتقديم الهدايا والمساعدات، وليس موسما للفرح والابتهاج.

ويرتبط العيد دينيا بالواجبات الدينية (الصيام والحج) والصيام المسيحي هو امتداد لممارسات الأمم السالفة في المنطقة (الأراميون والسريان والفينيقيون) والتي تعبر أعيادها عن التفاعل مع الطبيعة والعطاء، فالامتناع عن تناول المنتوجات الحيوانية في فترة الربيع يتيح المجال للمواشي التي تكون قد ولدت حديثا أن ترضع صغارها، ويفسح المجال للتكاثر ويحمي الماشية من الذبح في موسم الولادة، وتكون الأرض أيضا قد أنبتت الكثير مما يصلح طعاما بديلا، وفي ذلك مشاركة مع رموز الخصب والعطاء والجمال في الاحتفال والشكر.

ومن المعلوم أن بني إسرائيل استهوتهم كثيرا فكرة التفاعل والمشاركة مع آلهة الخصب في الشام، ففي القرآن أنهم عندما هاجروا من مصر طلبوا من  موسى أن يجعل لهم إلها مثل آلهة القوم الذين تعرفوا عليهم، ولكنهم بعد موسى لجأوا بالفعل إلى هذه الآلهة، فقد شغل النبي "الياس" أو إيليا (قبل مولد المسيح بتسعمائة سنة) والذي كان يعيش في بلدة لستب في جبال عجلون القريبة المعزولة والوافرة الجمال والخصب والمتصلة بالسماء على نحو يجعلك تشعر بالفعل أنك تسمع الله وتتحدث إليه بمواجهة عبادة "بعل" إله الفينيقيين والأراميين والسريان، وأعياد الفرس والكرد والشعوب الآسيوية مرتبطة بالربيع (النيروز) وهي قريبة من الأعياد المسيحية التي هي في الأصل سريانية وأرامية، وكذلك المصريون (شم النسيم)

وعيد ميلاد المسيح ليس في يوم 25/12، بل إن هذا اليوم هو مناسبة دينية سابقة للمسيحية متعلقة بعبادة الشمس لدى الرومان والإغريق والذين اتبعوا المسيحية ومسحنوا المناسبة، ففي الإنجيل كان مولد المسيح في ليلة صافية وكان الرعاة يبيتون في الخلاء وهذا لا يمكن أن يكون في كوانين، ولعله في الربيع وفق عادة أسلافنا (السريان والأراميون) والتي مازالت باقية حتى اليوم فيواصل الرعاة انتشارهم في الليل والنهار للرعي وللاحتفال (رمزيا) بالعطاء والخصب.

ثمة علاقة بين الفرح والابتهاج وبين التفاعل مع الطبيعة وهو ما يعبر عن التجربة الإنسانية في البحث عن الفرح والابتهاج بالحياة، وتطورت الممارسة إلى الترفيه والسياحة وتمضية الإجازات، ولكن العيد لدى المسلمين (ويبدو أن المسيحيين العرب تأثروا بهم) يقترب من الواجبات، والفرح المتضمن فيه هو فرح إنجاز العبادات (الصوم والحج) ويكون شكر هذه النعمة بتجديد الالتزام بالواجبات، وربما يكون التضامن الاجتماعي المميز للعيد هو تعبير عن الفرح، فالعرب يفرحون بهذا التماسك والالتزام الاجتماعي، وكأنهم يبحثون عن البهجة في العطاء، وهو معنى لا يبتعد كثيرا عن رموز العطاء والشكر على النعم الراسخة في التراث الإنساني.

وعيد الأضحى نفسه هو تجسيد أو ترميز لفكرة العطاء الممتدة إلى أبينا إبراهيم، والذي قدم ابنه إسماعيل قربانا، وهو تقليد ديني قديم مازالت بقاياه في أفريقيا، ويبدو أنه كان متبعا ومفهوما، فالسياق يدل على أن تقديم الأبناء قربانا كان متبعا ومفهوما لدى الناس، ولعل القصة تؤشر على الإرادة الإلهية بوقف هذه العادة وأن يستبدل بها تقديم الأضاحي والعطاء.

ارتبطت الأعياد قبل الإسلام بالشمس، وهذا يجعلها في موعد ثابت لا يتغير، ومن طرف هذه العلاقة بين العيد وموعده أن عيد الميلاد وهو كما أسلفت كان عيدا للشمس، يأتي في بلاد الشمال في الشتاء والثلوج، وصار الثلج واللباس الشتوي الثقيل جزءا من طقوس الاحتفال، ولكنه يأتي في أستراليا والمناطق الأستوائية في طقس حار ومشمس، فتكون الملابس الشتوية والثلوج جزءا غير مفهوم ولا واضح في احتفالات العيد التي تحاكي الغرب والشمال، وأما العيد في الإسلام فقد ارتبط بالقمر وهذا يجعله يتنقل على فصول السنة وأوقاتها فيدور دورة كاملة كل 33 سنة، وبالمناسبة فإن العلاقة بين الشعائر الدينية والشمس والقمر والليل والنهار والكون والأفلاك تحتاج إلى توقف وتفكير.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معايدة (ام سيف)

    الأربعاء 21 آذار / مارس 2007.
    كل عام والجميع بخير