إبراهيم غرايبة

نحو إلزامية الضمان الاجتماعي

تم نشره في الأربعاء 4 كانون الثاني / يناير 2006. 03:00 صباحاً

الحملة التي تنفذها مؤسسة الضمان الاجتماعي لحث المواطنين طوعيا على المشاركة في الضمان الاجتماعي، ولمواجهة حالات التهرب من الاشتراك في الضمان لم تعد كافية وملائمة. وربما كانت مناسبة لو انها نفذت قبل عشرين سنة عندما كان هناك صندوق حكومي للمتقاعدين، وعندما كانت الدولة تستحوذ على معظم قطاعات العمل في حين كان القطاع الخاص محدودا. لكن مؤسسة الضمان الاجتماعي أصبحت اليوم مظلة جميع العاملين في القطاعين العام والخاص، واتسع القطاع الخاص أيضا وهو متجه ليكون الوعاء الأكبر للقوى العاملة.

ويبدو أن ثمة حاجة لتشريعات جديدة تنظم الاشتراك في الضمان الاجتماعي تلائم المرحلة الجديدة، فبما أن مؤسسة الضمان الاجتماعي أصبحت هي الغطاء الوحيد لجميع المواطنين، فيفترض أن تكون المشاركة فيها إلزامية لجميع المواطنين الذين تجاوزوا الخامسة والعشرين، وفي المقابل فإن مؤسسة الضمان يجب أن تكون ملزمة بتعويض العاطلين عن العمل أو الذين يفقدون أعمالهم.

إن من شأن إلزامية الاشتراك في الضمان أن تدفع المواطنين إلى ثقافة التخطيط بعيد المدى والادخار والاستعداد للمستقبل ومواجهة الظروف الطارئة. كما أن المشاركة في الضمان الاجتماعي أصبحت ضرورة قصوى بعد تغير دور الحكومة وانحسار التقاعد والتأمين الصحي الحكومي ودعم السلع والخدمات، ففي هذه الحالة يشكل الضمان الاجتماعي بديلا للخدمات والفرص التي كانت توفرها الحكومة للمواطنين مباشرة او على نحو غير مباشر. والضمان الاجتماعي قبل كل شيء يمثل أهم تطبيقات إعادة تنظيم المجتمعات لنفسها في مرحلة يعتبر فيها تغير دور الحكومات والدول، المدخل الأساسي للديمقراطية المفترضة.

التشريعات التي تلزم المواطنين بسلامتهم ومصالحهم كثيرة جدا، وفي جميع دول العالم، مثل التأمين على المركبات، واتباع قواعد السلامة في القيادة والعمل، ومن المهم أن يضاف إليها أيضا تشريعات تلزم جميع المواطنين بالمشاركة في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، لأن المواطنين في كثير من الأحيان قد يغفلون عن الاستعداد لمتطلبات ومراحل وظروف قد تأتي مثل العجز وتقدم السن والمرض والإصابة. وقد يكون من الضروري دفع المجتمعات والمواطنين للتكيف مع مرحلة يعتمدون فيها على أنفسهم بالتضامن بدلا من التقدم بعرائض واسترحامات أو البحث عن وسائل تهدر الكرامة أو العجز عن تلبية الاحتياجات المختلفة والمعقدة، بخاصة مع تقدم السن وتراجع الدخل أو في حالات الأمراض التي تحتاج إلى علاج مكلف لا يقدر على تغطيته معظم المواطنين.

إن أكثر المواطنين لم يلاحظوا بعد على نحو كاف التحولات الكبرى والجذرية في الدول والمجتمعات وتداعيات هذه التحولات على الخدمات والحياة والفرص. لكن إذا ترك الأمر حتى يلاحظه الناس ويدركوا المشكلة فسنواجه كارثة فات الأوان على حلها، فعندما تتضاءل الخدمات الاجتماعية والصحية المجانية أو تتلاشى يفترض أن يكون المواطنون قد بدأوا قبل سنوات طويلة في العمل على مواجهة هذه الحالة، والكثير منهم ما زال يتمتع بصحة وفي مرحلة من العمر تكثر فيها الفرص وتقل الالتزامات، ولكن بعد سنوات ربما يكون قد فات الأوان للاستدراك وحل المشكلة. فعندما يصل المواطن إلى سن الستين مثلا وترفض شركات التأمين الصحي تغطيته، وعندما لا يحصل على تقاعد يؤمن له دخلا معقولا في الوقت الذي يكون أبناؤه قد وصلوا إلى سن التعليم الجامعي ويكونون في حاجة أكبر لمساعدته، أو يكونون في بداية حياتهم العملية وغير قادرين على توفير متطلبات الحياة الكريمة لهم ولوالديهم.

وإلى أن يأتي الوقت الذي يشترك فيه جميع المواطنين في الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي فإن حملة مؤسسة الضمان ضرورية جدا لينظم المجتمع نفسه في مواجهة احتياجاته ولتوسعة موارد الضمان لتكون قادرة على تأمين المواطنين والوفاء بالتزاماتها. لكن ثمة حاجة أيضا لتفعيل تطبيق القوانين السارية وملاحقة التهرب من الاشتراك، وبخاصة أن ظروف الحاجة قد تجبر كثيرا من العاملين على القبول بالتهرب من المشاركة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق