دبي أخرى على البحر الأحمر!

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

قبل أيام نشر الدكتور وليد فتيحي مقالا سريعا في عاموده الأسبوعي بصحيفة عكاظ السعودية تحدث فيه بإعجاب عن مطار دبي الذي قاس الإنجاز فيه بخمس دقائق من لحظة وصوله بالطائرة إلى خروجه من المطار، وفي نهاية مقاله الذكي قارن بحسرة المحب بين حال مطار دبي ومطار مدينته جدة. مقارنة يدرك مغزاها كل سعودي يريد الأفضل لوطنه وهو يعلم أن وطنه الذي يمتلك كل القدرات العلمية والبشرية والسياسية والمادية قادرٌ أن يكون افضل. تحول هذا المقال فورا إلى رسالة إلكترونية يتم تداولها، واستلمها من اكثر من صديق سعودي طوال الأسبوعيين الأخيرين.

الشاهد هنا أن السعوديين معجبون بدبي ومتطلعون إلى حداثة اكثر وتطور أعمق. لقد تحول إعجاب رجال الأعمال بدبي أن استثمروا فيها عدة بلايين من ريالاتهم السعودية. بل أن بعضهم نقل أعماله هناك أو افتتح فيها فرعا ومكتبا يدير منها بعضا من أعماله، كما استخدمتها شركات أجنبية لخدمة مصالحها الاقتصادية في سوقها الأهم في المنطقة وهو ليس في دبي وإنما في المملكة!

ليس في كل ذلك ما يضير، إنها روح مجلس التعاون لدول الخليج الحقة، وروح الاخوة بين أشقاء نجحوا في صناعة أول وأنجح منطقة تجارة حرة في العالم العربي. فمن الطبيعي أن ينجح أي مشروع وراءه عقول تعمل للمستقبل، لكن الحقيقة الأخرى هي أن الانغلاق النسبي والبيروقراطية الحكومية المتراكمة إجراءاتها في المملكة، حتى نسينا سبب ذاك القرار الذي يؤثر على هذا القرار. يضاف إلى هذا وذاك، تسلط طائفة في تحديد (الذي يجوز والذي لا يجوز) اجتماعيا وفق رؤيتها الضيقة، وليس الرؤية المجتمعية المتسامحة. فكل ذلك يفسر نجاح دبي، أو على الأقل في لعبها دور مانهاتن مقارنة بتلك القارة الكبيرة التي تدعى المملكة العربية السعودية.

لذلك أدى الإعلان الصاعق لمشروع مدينة الملك عبد الله الاقتصادية إلى تفاؤل واسع في الشارع السعودي ليس اقتصاديا فحسب وإنما سياسيا واجتماعيا، وبث شعور إننا أمام انفتاح حقيقي مقبل، وإلا لماذا تغامر شركة ناجحة مثل شركة "إعمار" الإماراتية - التي انطلقت من دبي لتستثمر عقاريا حول العالم- في مشروع هائل كهذا؟ لقد بدت صور المشروع والذي فاجأ الجميع وكأنها دبي أخرى، لكن على ساحل البحر الأحمر.

مدينة الملك عبد الله جاءت شاملة، مستفيدة من مكتسبات سابقة، ومعتمدة على قوة القطاع الخاص وروح المشاركة الشعبية، إنها ليست مشروعا حكوميا صرفا، إنما عملية استثمار يؤمن بها كل مواطن، مستوعبة لوجود أعداد كبيرة من الشباب والشابات يحتاجون إلى وظائف وتعليم وترفيه ويتطلعون إلى حياة حديثة افضل. شباب مدركين لما تحقق في العالم من حولهم ويريدون حصتهم من هذا الإنجاز البشري المشترك، إنها فكرة مثل دبي، تنساب فيها أجناس عدة، وتطلعات مختلفة من حداثة وحق في الاختيار، لا يتنافى مع الخلفية الحضارية التي تنطلق منها هذه المدنية الجديدة.

إن نجاح مدينة الملك عبد الله المتوقع لن يكون فقط في تلك التصاميم المعمارية الرائعة، ولا في الشواطئ الرملية الساحرة ولا في "بولفارد تحيطه الأشجار الوارفة" كما جاء في الإعلان الذي زفت به إعمار الإماراتية والهيئة العامة للاستثمار السعودية مشروعهما الجبار للمواطن السعودي الأسبوع الماضي، وإنما بتبن حقيقي لرؤية جديدة تقوم على الانفتاح الذي يمكن أن ينساب إلى كل أركان المملكة ليعزز من موقعها الاقتصادي.

إن النظام التعليمي المتطور، الذي يعزز قيم احترام الآخر بلونه ودينه وعرقه المختلف، الذي سيتلقاه الطالب الصغير في الطائف والزلفي وخيبر وكل مدرسة سعودية، هو الذي سيرسل أبناء متعلمين مستعدين للعولمة وتحدياتها إلى مدينة ستكون عالمية مثل مدينة الملك عبد الله ليعملوا أو يدرسوا فيها.

ونظام قضائي واضح شفاف تدار به المحاكم في الرياض ومكة هو الذي سيعزز الثقة في مزيد من الاستثمار في مدينة الملك عبد الله. وبيروقراطية تنظم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات والدولة، لا تضغط عليهم بتداخل قراراتها، وعدم كفاءة موظفيها، هي التي ستشجع الاستثمار والمبادرة الفردية ليس في مدينة الملك عبد الله وحدها وإنما في المملكة كلها.

ومجتمع حر من تعسف أصحاب الرؤى الضيقة وتدخلاتهم هو الذي سيخلق مجتمعا متسامحا منسجما معافى من الاستقطاب والتحزب في كل المملكة.

كاتب ومستشار إعلامي سعودي

التعليق