انتخابات على الطراز الشاروني

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

يؤكد مؤرخون ومحللون اسرائيليون، ممن رصدوا عقلية ونهج رئيس الحكومة الاسرائيلية، اريئيل شارون، منذ ان كان قائدا للوحدة العسكرية الاجرامية 101 في سنوات الخمسين من القرن الماضي، انه حين كان يخطط لجريمة ما، ويعرضها على قادة الجيش ويرفضونها نظرا لنتائجها الكارثية واخطارها المتوقعة، كان يخرج من الجلسة غاضبا، متوجها الى وحدته لينفذ ما خطط له، غير آبه بموقف قيادة الجيش. ويجري الحديث هنا عن الجرائم والمجازر التي كان يرتكبها شارون خلف حدود 1948، حين كان يقتحم القرى الفلسطينية الحدودية ويغتال ويقتل وينسحب، وفي تلك الفترة ارتكب مجزرة "قبية" الشهيرة وغيرها.

كان شارون ينفذ ما خطط له غير آبه بالنتائج، ويقول المؤرخون انه اقحم بلاده في معارك لم يستعد لها الجيش أصلا، ووصل هذا النهج ذروته العسكرية في الحرب الاجرامية التي شنتها اسرائيل على لبنان في العام 1982، حين كان شارون وزيرا للحرب. وحين "وعد" شارون رئيس الحكومة حينها، مناحيم بيغن، بأنه سيدخل الى لبنان لعملية عسكرية "محدودة" تدوم 48 ساعة فقط، مع علمه المسبق انه يكذب ويخدع ويخطط لما هو أكبر، وزعم شارون ان حملته "المحدودة" تهدف للقضاء على المقاومة الفلسطينية وليخرج مباشرة، ولكن الساعات الثماني والاربعين امتدت لثمانية عشر عاما، وذروة الحرب استمرت عدة أشهر تخللتها مجزرة صبرا وشاتيلا، ومكث الجيش الاسرائيلي عامين في قلب لبنان، ليتراجع في العام 1984 الى الجنوب ويمكث هناك محتلا 16 عاما.

ومنذ ان وصل شارون الى كرسي رئاسة الحكومة، قبل أقل من خمس سنوات، تأكد ان هذا النهج لا يزال قائما وثبته أكثر في العدوان الاسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة على مدى السنوات الخمس الماضية ومحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسرعرفات على مدى ثلاث سنوات.

ومن يتابع تحركات شارون على الحلبة السياسية الاسرائيلية اليوم، والضجة الحاصلة، وسرعة التنقلات الشخصانية يعرف مدى الهزّة التي أحدثها شارون، وليس غيره، سعيا منه لتحقيق هدفيه الاساسيين؛ الأول بقاؤه في سدة الحكم، والثاني تطبيق برنامجه السياسي الخطير، الذي عولج هنا مرارا، وملخصه: القضاء على كل احتمال لاقامة دولة فلسطينية قادرة على الحياة، وبالتالي القضاء على أي افق لحل "عادل"، حسب المصطلح المتداول.

وعلى ما يبدو فإن شارون يتقن قراءة نقاط الضعف في الحلبة التي يريد غزوها، وبداية يمهد لنفسه الاجواء المؤيدة لتكون ضربته قاصمة لخصمه، ويؤكد الكثير من المحللين السياسيين الاسرائيليين ان ما يفعله شارون اليوم هو عملية انتقام من الحزب (الليكود) الذي اقامه قبل ثلاثين عاما، بعد ان رفضت مجموعة فيه الانصياع لبرنامجه السياسي، مستغلا الاجواء العالمية والمحلية التي خلفها اخلاء مستوطنات قطاع غزة، الذي غطى على مشاريعه الاحتلالية الخطيرة في الضفة الغربية.

يجلس شارون اليوم متكئا هادئا ويتفرج على الشخصيات السياسية التي تلهث وراءه طالبة رضاه، بدءا من الشخصية الاسرائيلية التاريخية شمعون بيرس، وحتى اكبر جنرالات اسرائيل الحاليين الذين تخلوا عن استقلالية قرارهم واودعوها بيد شارون لانقاذ مستقبلهم السياسي، فحين تغرق السفينة تهرب الفئران الى السطح.

انشغلت اسرائيل في الأيام الأخيرة بمفاجأتي انتقال رئيس حزب الليكود المؤقت تساحي هنغبي، في الاسبوع الماضي، الى حزب "كديما" الذي اقامه شارون، والثانية يوم الأحد الأخير بانتقال وزير الحرب شاؤول موفاز، الى "كديما"، رغم انه كان في أوج المنافسة على زعامة الليكود، لا بل وقبل 36 ساعة من قراره اللجوء هربا الى شارون، كان يشتم شارون وحزبه ألف مرّة، ولهذا فإن مفاجأة موفاز كان وقعها أكبر بكثير من قرار هنغبي، ونظرا لوزن موفاز العسكري.

من تفرّج، وبالفعل فرجة، على الاعلام الاسرائيلي والشخصيات السياسية البارزة وهم يدينون انتهازية موفاز وسرعة تقلباته، يتخيل لبرهة وكأنه أمام دولة طبيعية، وصلت فيها نزاهة الحكم والاخلاقيات السياسية الى اكثر مما هي عليه في دول شمال اوروبا، وفق التقارير الدولية، وفي هذا حد كبير من السخرية، لأن موفاز لم يشذ عن القاعدة المتبعة في الحلبة السياسية الاسرائيلية، والجديد انه انخرط فيها، بعد ان كان بنى من حوله هالة العسكري الشديد الذي يتخذ القرارات الحازمة ولا يتراجع عنها بسهولة.

فمثلا، سمعنا نتنياهو يتكلم عن الانتهازية وعن الاخلاقيات السياسية، رغم انه اول رئيس حكومة في اسرائيل يتم التحقيق معه جنائيا بتهم فساد خطيرة وهو لا يزال في منصبه، وهو الذي حطّم الكثير من قوالب آليات الحكم في اسرائيل، خاصة حين عيّن نتنياهو موفاز رئيسا لاركان الحرب، فحينها قلب كل ما كان متبعا، لتعيين شقيق صديقه الثري المقيم في سويسرا (شقيق موفاز).

فما بات مؤكدا اليوم، هو ان اسرائيل متجهة نحو المجهول في الانتخابات البرلمانية القادمة التي ستجري في آذار (مارس) القادم، ومن غير المحبذ التعامل مع ما يجري في اسرائيل اليوم، وكأن المعركة حسمت منذ الآن، من خلال جملة استطلاعات الرأي التي تظهر في اسرائيل صباح مساء، حتى عن رأي الجمهور في تحركات حتى ذبابة في غرفة السياسة الاسرائيلية!.

فأمامنا منذ اليوم حوالي (100) يوم حتى تلك الانتخابات، وكل تحرك بسيط، حتى في الساعات الأخيرة قبل يوم الانتخابات سينعكس مباشرة على موازين القوى في داخل اسرائيل، وبالتالي على نتائج الانتخابات، وهذا يؤكد حالة الهيجان التي تشهدها اسرائيل، واكبر محدثيها شارون نفسه، مع العلم المسبق ان اطار شارون السياسي هو اطار لمرّة واحدة، على الاقل في احتلاله للسلطة، إذا تحققت النتائج. فهذا الحزب اقيم حول شخص واحد، وغيابه عن الساحة السياسية لاسباب عدة، خاصة وانه اليوم ابن 78 عاما، سيؤدي الى انهيار الحزب، إما كليا، أو بجزئه الاكبر، لتعود الخارطة السياسية الى قطبيها الصهيونيين، "العمل" و"الليكود".

فالمهم من ناحية شارون انه نفذ ما خطط له، ومن بعده الطوفان، هكذا بدأ حياته العسكرية الاجرامية، وهكذا قاد جيش اسرائيل الى لبنان، وهكذا حرّض على الاستيطان وبناه منذ سنوات السبعين، وحرّض المستوطنين في سنوات التسعين على احتلال هضاب الضفة الغربية كافة، وهكذا قاد حكومته، وعلى هذا الاساس اخلى قطاع غزة ليوسع الاستيطان في الضفة الغربية، وهكذا اختار "تفجير" الخارطة السياسية في اسرائيل.

وعلى هذا الاساس يتوجب على البعض ان لا يبني اوهاما وكأن شارون غيّر جلده.

كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في الناصرة

التعليق