ياسر أبو هلالة

جبران تويني تضامن بدون "لكن"

تم نشره في الثلاثاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

في آخر ملتقى نظمه مركز الأرشيف العربي، قدم الزميل باسم سكجها مقترحا للتضامن مع قناة الجزيرة بعد الفضيحة التي أثارتها صحيفة الديلي ميرور، كان ثمة زملاء يشككون بجدية التهديد فطلبت أن تخفف الصيغة ولا تكون بصورة جازمة. كانت اللفتة مهمة لأنها تستبق الاعتداء على الصحافيين. وطرحت يومها سؤالا بسيطا: هل نتضامن مع الصحافيين بعد استشهادهم؟ خصوصا أن ثمة ألف "لكن" تطرح قبل التضامن معهم وهم أحياء.

سقت مثالا على زميل في صحيفة عربية اعتقل في زنزانة انفرادية زهاء نصف عام، تخاذل كثير من الصحافيين في التضامن معه بسبب "لكن" اللعينة. قيل يومها أنه لم يعتقل بسبب عمله الصحافي وإنما بسبب صراع الأجهزة في بلده. وفي قضية تيسير علوني لا يزال بعض غثاء الليبرالية لا يتضامن معه وإنما يشهر به فهو اعتقل ليس بسبب عمله الصحافي وإنما لعلاقته مع "القاعدة".

في اغتيال جبران تويني النائب والصحافي تذكرت ما قاله لي كاتب صحافي لبناني مرموق عن صحيفة النهار إذ وصفها بـ"صحيفة الحملة الأميركية على المنطقة"، صحيفة أخرى ممكن أن توصف بأنها صحيفة "النظام الأمني السوري اللبناني" وثالثة توصف بأنها صحيفة "الإرهاب والتحالف الصدامي القاعدي". وأوصاف كهذه وأسوأ أطلقت على صحف وتلفزيونات. لكن ذلك كله لا يبيح استهداف صحافي بأدنى درجات الإساءة ناهيك عن الاعتقال والاغتيال.

ومهما قيل في الخط السياسي لصحيفة النهار فهذا لا يقلل إطلاقا من أهميتها الصحفية، فمدرسة النهار التي وثّق غسان تويني بعض سيرتها في كتابه "سر المهنة وأسرار أخرى" قد تكون أكثر التجارب الصحافية مهنية ونجاحا، وتمكنت من الصمود في ظل حروب أهلية واحتلال وتناحر سياسي ومنها تخرج كتاب وأدباء وصحافيون.

الصحافي ليس مصفَحا ولا يستطيع مواجهة الصواريخ والمفخخات، وهو يخوض معركة غير متكافئة مع من يمتلكون السلاح دولا وجماعات. لا وسيلة أخلاقية لمواجهة الصحافي غير استخدام سلاحه ذاته، أي القلم والكاميرا وهما سلاحان لا يبدو أن الجناة يحسنون استخدامهما. ولو أحسنوا لفعلوا لكنهما سلاحان لا يطيقهما من لا يعرف لون الحبر ويعرف لون الدم ولا يعرف وميض ضوء الكاميرا ويعرف وميض ضوء الانفجار.

كان جبران جريئا في عز السطوة الأمنية والعسكرية السورية، ولم يتردد في مواجهة خصومه جهارا، فواجهوه سرا. سياسيا ثمة خصومات دونها صناديق الاقتراع، لكن في الصحافة لا يوجد خلاف على حصانة الصحافي، حتى لو كانت له وجهة نظر فكرية وسياسية. فالصحافي ليس آلة صماء بل هو بشر ومن حقه أن يكون له اختياراته في الحياة.

حضور جبران في غيابه لا يقارن في حضوره قبل الغياب. فتوقيت الغياب جاء في لحظة إقليمية فارقة، والاستنكار السوري لجريمة الاغتيال لا يسمعه أحد في ظل دوي الاتهام لها. هل يعقل أن تتحرش سورية بهذه الدموية؟ من إذن فعلها؟ إسرائيل لقد انسحبت من لبنان وسوت تصعيد حزب الله في ساعات وأعادت جثامين شهدائه وشارون بطل صبرا وشاتيلا انسحب من غزة وسيواصل انسحاباته. ولا يريد العودة إلى لبنان. أميركا تريد الانسحاب من العراق بعد الانتخابات ولا تريد احتلال سورية، لكنها دولة تمتلك أعتى قوة في التاريخ ويقودها أكثر السياسيين محافظة في تاريخها، ولن تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يدور في لبنان. المهم ألا يقف الصحافيون مكتوفي الأيدي تجاه ما يتعرضون له.  

abuhilala@yahoo.com

التعليق