لا عودة عن الديمقراطية في اليمن

تم نشره في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

تشهد اليمن منتصف الشهر الجاري حدثاً مهماً يتمثّل في انعقاد المؤتمر العام لحزب المؤتمر الشعبي الذي يعتبر أكبر الأحزاب اليمنية. وتعود أهمية انعقاد المؤتر العام الى اسباب عدّة في مقدمها أن المؤتمر ينعقد في عدن وليس في أي مكان آخر. ومعنى ذلك أن اليمن بعد خمسة عشر عاماً على الوحدة صارت بلداً لا فارق فيه بين مدينة وأخرى.

على العكس من ذلك حدث انصهارعلى الصعيد الوطني بات من المستحيل معه التمييز بين يمني وآخر. لذلك، يعتبر انعقاد المؤتمر العام للحزب الحاكم في عدن بالذات بمثابة تكريس لنجاح التجربة الوحدوية التي جعلت الشمال في الجنوب والجنوب في الشمال. لم يعد هناك أي فارق بين يمني وآخر في أي شكل من الأشكال. إنها عملية ناجحة اسمها الوحدة اليمنية انتهت بعودة البلد الى وضعه الطبيعي من دون أي نوع من التعقيدات. وكانت العملية طبيعية الى درجة أن المحاولة التي استهدفت تقويض الوحدة فشلت فشلاً ذريعاً صيف العام 1994 على الرغم من الدعم الخارجي الذي حظيت به وعلى الرغم من المبالغ الضخمة التي رصدت لمشروع العودة الى الانفصال.

واذا كان من درس يمكن استخلاصه من تجربة حرب الانفصال، فإن هذا الدرس يتلخص بأن الوحدة تمثل الوضع الطبيعي لليمن وأن من الصعب الانقضاض عليها أياً تكن المغريات. والدليل على ذلك أن انعقاد المؤتمر العام للمؤتمر الشعبي في عدن التي كانت في الماضي عاصمة الشطر الجنوبي، وتحوّلت الى العاصمة الاقتصادية لدولة الوحدة، اصبح أمراً أكثر من عادي، بل أصبح هو الأمر الطبيعي. تماماً مثلما أن من الطبيعي أن ينعقد في صنعاء المؤتمر العام للحزب الاشتراكي اليمني الذي كان حاكماً في الجنوب قبل الوحدة.

كان مهماً أن تجعل الوحدة الأحزاب اليمنية منتشرة في كل أنحاء البلد والاّ يعود الانتماء الى هذا الحزب أو ذاك مقتصرا على أبناء منطقة او قبيلة معيّنة. لقد جاءت الوحدة لتكرّس وضعاً جديداً في البلد قائما على فكر متجدد وحضاري يستند الى الديمقراطية قبل أي شيء آخر. ولذلك يندرج انعقاد المؤتمر العام للمؤتمر الشعبي في إطار التجربة الديمقراطية داخل الحزب نفسه، على أن تنسحب التجربة على الحياة السياسية في البلد بشكل عام. وبكلام أوضح، يمكن تلخيص حدث انعقاد المؤتمر الحزبي في عدن بانه تأكيد لرفض العودة عن الديمقراطية، اضافة بالطبع لتأكيد الممارسة الديمقراطية على كل المستويات بما في ذلك داخل الحزب الواحد.

استطاعت اليمن - منذ ما قبل الوحدة- أن تميز نفسها في المنطقة. ولا شك ان تجربة المؤتمر الشعبي العام كانت طليعية في هذا المجال. انه الحزب الذي استطاع منذ البداية، أي منذ ما قبل قيام الوحدة وتشكيل نواة للتجربة الديمقراطية التي تبلورت مع تحقيق الانجاز الكبير الذي تحقق في الثاني والعشرين من مايو- أيار من العام 1990. وما لا يمكن تجاهله أن المؤتمر الشعبي، الذي كان وليد فكر الرئيس علي عبدالله صالح، شكل لدى تأسيسه مظلة اجتمعت تحتها كل الاتجاهات السياسية اليمنية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، من المتدينين المتمسكين بفكرهم الى الأقل تديناً المتمسكين بما يعتقدون أنه الأنسب لليمن.

باختصار شديد، علّمت تجربة المؤتمر الشعبي العام اليمنيين قبول التنافس السياسي وصراع الأفكار بعيداً عن العنف. وعندما تحققت الوحدة وصار المجال مفتوحاً أمام التعددية الحزبية، جاء الانتقال الى التجربة الجديدة في شكل طبيعي. واستطاع كل يمني أن يختار الموقع السياسي الذي يتلاءم مع تفكيره من دون أي نوع من الاكراه. ثمة من بقي في المؤتمر الشعبي متمسّكاً بنهجه المعتدل، وثمّة من اختار الانضمام الى احزاب اخرى. وقد حصل ذلك بطريقة حضارية تقوم على احترام الرأي الآخر وعلى التنافس الديمقراطي من خلال الأنتخابات التي تشارك فيها الأحزاب المختلفة.

لا شك أن المؤتمر الشعبي العام في حاجة الى استعادة حيويته واثبات حضوره في كل أنحاء اليمن في وقت يشهد البلد تطورات مهمة على الصعيد الداخلي في مقدمها الاستمرار في التجربة الديمقراطية وتجديدها وتطويرها في الوقت ذاته. كذلك يبدو الحزب الأكبر في اليمن في حاجة الى اثبات أنه قادر على أن يكون في مستوى التحديات التي تواجه البلد على غير صعيد، أكانت هذه التحديات اقتصادية أو تنموية أو سياسية أو مرتبطة بالحرب على الارهاب.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن انعقاد المؤتمر العام للحزب في عدن وليس في أي مكان آخر كان خطوة ذكية لتأكيد ان الحزب كان ولا يزال حزب كل اليمنيين وأنه حزب الوحدة اليمنية وحزب التجربة الديمقراطية التي ساعدت في تطويره وجعله قادراً على الانتشار في كل مناطق اليمن وفي أوساط كلّ الفئات الاجتماعية.

يبقى الأهم من ذلك على الصعيد الاقليمي أن اليمن تظهر مرة أخرى كم انها متطورة مقارنة مع محيطها. انها الدولة الفقيرة التي تجري فيها انتخابات في شكل منتظم بمشاركة المرأة التي تستطيع أن تنتخب وان تترشح وأن تفوز وتدخل مجلس النواب. والحديث هنا عن انتخابات تجري على اساس حزبي من دون عقد أو خوف من الأحزاب أياً تكن الأفكار التي تنادي بها شرط الا تكون أفكاراً تحض على العنف الجسدي أو الانقسام الداخلي الذي يهدد الوحدة الوطنية.

لقد حمت الديمقراطية اليمن واليمنيين كما ساهمت في حماية الوحدة. والمؤتمر الشعبي العام بممارسته الديمقراطية داخلياً يلعب دوره الطبيعي على صعيد تقدم الحياة السياسية في البلد الذي عرف كيف يتطور بشكل تدريجي بما يجعله في منأى عن الهزات. والفضل في ذلك يعود الى حدّ كبير الى الرئيس علي عبدالله صالح الذي آمن بان اليمن قادرة على خوض التجربة الديمقراطية وبأن هذه التجربة تشكل الطريق الأنجع لتجاوز الصعوبات أياً يكن نوعها وأن من الأفضل للتطرف والمتطرفين أن يكونوا في مجلس النواب بدل أن يكونوا خارجه.

أكثر من ذلك، يدرك الرئيس اليمني أن أفضل طريقة لكشف التطرف والمتطرفين وإظهارهم على حقيقتهم تكون بتحميلهم مسؤوليات عامة بدل تركهم يمارسون لعبة اطلاق الشعارات والمزايدة على الآخرين. وقد يكون الاصرار على عدم استبعاد الآخر، بل التعاطي معه والإنفتاح عليه، أحد أسرار نجاح التجربة اليمنية. أما السر الآخر فانه يكمن بأن ممارسة الديمقراطية تبدأ في البيت، في كلّ بيت يمني.

وما المؤتمر الشعبي بتركيبته الغنية التي تجعل منه رمزاً من رموز الديمقراطية في البلد، سوى البيت الذي يحوي كل العائلات اليمنية من كل المناطق والقبائل والمشارب السياسية ويتّسع لها. انه ضمانة لبقاء اليمن ديموقراطية أوّلا وبلدا يسوده الاعتدال الى حدّ كبير ثانياً.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق