إبراهيم غرايبة

المجتمع المدني العالمي ودور جديد

تم نشره في السبت 10 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

كانت المواجهة بين مناهضي العولمة الرأسمالية وبين منظمة التجارة العالمية في مدينة سياتل في العام 1999 إشارة جديدة إلى تنامي المجتمع المدني العالمي وتشابكه في مواجهة الشبكة الرأسمالية العالمية.

وهناك أيضا منظمة الشفافية الدولية التي تشكل رقابة مجتمعية عالمية على الممارسات الحكومية، وتصنف دول العالم وفقا لمعدل الفساد فيها. كما تمارس منظمات البيئة، وحقوق الإنسان، ومناهضة الحروب والسلاح النووي ضغطا كبيرا على الحكومات والدول للالتزام بحماية الموارد والتنمية المستدامة والحريات والحقوق العامة.

هل أصبح المجتمع المدني العالمي مساهما قويا ودائما في حل مشكلات العالم؟ وهل يجب ترك حل المشكلات العالمية إلى تكتل حر من الناشطين غير المنتخبين؟ وما مدى أهمية هذا النوع من النشاط العالمي؟

 كتاب "القوة الثالثة"، الذي يحلل عمل ستة أنواع من الاتجاهات العالمية لعمل هذه الشبكات العالمية في مجالات حقوق الإنسان والبيئة والتنمية المستدامة ومكافحة الفساد، يقدم رؤية مهمة وواقعية لهده التحولات المهمة في المشهد العالمي القائم.

إن التداخل العالمي الواقع اليوم في التجارة والهجرة والاتصالات يدفع إلى تعاون وتضامن عالميين، ويقتضي وجود ضمير عالمي يمثل المصالح العامة الواسعة النطاق التي لا تندرج بالضرورة ضمن حدود الدول الفردية، ولكن لا يبدو -حتى اليوم- أن المجتمع المدني الدولي قادر على تأمين أداة ملائمة وفاعلة في أنحاء العالم.

ما دور المجتمع المدني العالمي المرغوب فيه؟ وما مدى قوته ومصادرها؟

أظهرت التجارب والدراسات أن المجتمع المدني العالمي قد فرض مكافحة الفساد على الأجندة الدولية والحكومية، وعدّل في مسارات التنمية، وطور العمل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفرض حظرا على الألغام والتجارب النووية.

وأظهرت كذلك أن هذا المجتمع العالمي يمكن أن يلعب دورا مهما ومؤثرا، وأن يشارك في العمل والمراقبة في مجالات وسياسات كانت تقوم بها المنظمات الحكومية. لكن ثمة حدود واضحة لقدرة شبكات المجتمع المدني العالمي على إرغام الحكومات والمنظمات الدولية والشركات على الاستجابة لمطالبها؛ فالمجتمع المدني العالمي يعمل بطريقة غير مباشرة عبر إقناع الآخرين، وتوظيف الفرص السياسية المتاحة، مثل وصول أشخاص وأحزاب متعاطفين مع أهدافه ومطالبه إلى السلطة.

وقد تراجعت فرص التقدم والنفاذ من خلال هيئة الأمم المتحدة بسبب الموقف المحافظ للكونغرس الأميركي، وبسبب مبالغة منظمات المجتمع المدني أحيانا كثيرة في أداء دورها واستفزازها للحكومات والدول والتقاليد والمواثيق أيضا.

ومن الواضح أن الحكومات تتمتع بسلطة إبعاد المجتمع المدني عن المنتدى التقليدي لحل المشكلات الدولية.

هل الحالات المدروسة في الكتاب وغيرها من الحالات مجرد ضربات حظ؟ هل الظهور الحالي للمجتمع المدني العالمي مجرد مصادفة مؤقتة بسبب توفر عناصر مواتية؟ هل هناك أدلة على التبدل الدائم في نموذج السياسات العالمية؟

لا شك أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ساهمت إلى حد كبير في إنجاح المجتمع المدني العالمي وزيادة تأثيره وأهميته، وبخاصة أن هذه التكنولوجيا تواصل تقدمها الهائل، وإن لم يكن واضحا مدى انتشارها ونموها في المستقبل في المجتمعات والبلاد الفقيرة. ويرجح أن المجتمع المدني العالمي وجد ليبقى، وأنه يتخطى الحكومات أكثر فأكثر.

ويتغير دور المجتمع المدني العالمي من الإعلام إلى المشاركة المباشرة في إدارة المسائل العالمية، إذ تعمل منظمة الشفافية الدولية مع البنك الدولي في حملات مناهضة الفساد، كما عملت الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية مع الحكومة الكندية، ويشترك في اللجنة العالمية للسدود المجتمع المدني والمصالح.

وربما يكون المجتمع المدني العالمي أساسا لشكل الحكم العالمي في المستقبل، ليس لحكومة عالمية، بل لنظام ذي ثقافة مشتركة من قيم يتقاسمها الجميع على نطاق واسع.

وبعض هذه القيم يحظى باعتراف منذ الآن على نطاق واسع، مثل عالمية حقوق الإنسان والتنمية البيئية والاقتصادية، وقد يتيح المجتمع العالمي الفرصة للمشاركة العالمية في قضايا غير واضحة أو جدلية، ومساعدة المجتمعات والشعوب التي مازالت ترزح تحت حكم غير ديمقراطي.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق