اقتصاد الأقليات المعزولة في فرنسا

تم نشره في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

إن الشباب الذين يخربون فرنسا اليوم يدركون أنهم بلا مستقبل. ولهذا يحرقون السيارات. ولكن كم من أهل السياسة في فرنسا يدركون أن"نموذجهم الاجتماعي" العزيز مسؤول جزئياً عن تلك الأحداث؟

الواقع أن الفقراء من الجيل الثاني من المهاجرين إلى فرنسا لا يملكون حتى أن يتطلعوا إلى أي مستقبل اقتصادي، ويرجع هذا إلى سببين. الأول أن الاقتصاد ينمو بمعدل بالغ البطء. فكما هي الحال في أغلب أجزاء قارة أوروبا، كان الأداء الاقتصادي محبطاً إلى حد هائل طيلة العقدين الماضيين. لكن فرنسا تمكنت من احتلال المرتبة الأكثر سوءاً بين جيرانها. خلال الفترة من العام 1980 إلى العام 2000 لم تسجل أي دولة من الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باستثناء ألمانيا واليونان، معدل نمو أبطأ من المعدل الذي سجلته فرنسا فيما يتصل بنصيب الفرد من الدخل القومي. لكن ألمانيا كان لزاماً عليها أن تتحمل التكاليف الهائلة والصدمة الناجمة عن إعادة توحيد شطري ألمانيا. أما اليونان فقد لحق بها الأذى بسبب الحروب التي نشبت في البلقان. فما هو العذر الذي ترتكن إليه فرنسا؟

يكمن السبب الثاني في عدم وصول فوائد النمو الاقتصادي إلى الفقراء في فرنسا أياً كانت معدلات ذلك النمو. كما أن العديد من شباب الجيل الثاني من المهاجرين مستبعدون في واقع الأمر من سوق العمالة. ولقد ظل متوسط معدلات البطالة في فرنسا ثابتاً عند نسبة 10% طيلة عدة سنوات ـ وهو واحد من أعلى المعدلات بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. لكن معدلات البطالة بين الشباب تتجاوز ضعف هذه النسبة، بل تصل إلى 40% بين الشباب الذين يتسربون من المدارس في الضواحي التي تحولت إلى تجمعات بائسة يهيمن عليها اليأس.

ويرجع السبب في ارتفاع معدلات البطالة وتركزها بين الأقليات الفرنسية إلى الوضع غير السوي للمؤسسات التي تتحكم في سوق العمالة. ذلك أن فرنسا تتبنى تنظيمات صارمة فيما يتصل بتعيين العمالة أو صرفها من الخدمة، الأمر الذي يجعل من صرف العمال من الخدمة أمراً مكلفاً للغاية، وهو ما يقلص بدوره من إمكانيات توفير فرص العمل. وهكذا فإن هؤلاء الذين حصلوا على فرصة للعمل يتمتعون بالحماية، أما من لم يجدوا فرصة للعمل فقد حرموا من أي شكل من أشكال الحماية.

فضلاً عن ذلك، فإن التنظيمات تمنع تخفيض الحد الأدنى للأجور عن مستوى منصوص عليه قانوناً، وهو مستوى مرتفع إلى الحد الذي يجعل أبواب سوق العمالة مغلقة في وجوه العمال الأقل إنتاجية والأقل مهارة. وفي فرنسا يتم تحديد الأجور من خلال مفاوضات مركزية من قِـبَل نقابات عمالية احتكارية، ويتم تطبيقها على كافة جوانب الاقتصاد. لكن النقابات العمالية لا تبالي إذا لم يجد أبناء وبنات المهاجرين الذين يقطنون أحياء الأقليات أية فرصة ولو حتى للبدء في حياة مهنية عاملة.

إن التصميم الخاص الـذي تتسم به المؤسسات الاجتماعية في فرنسا لا يخلو من غرض: ألا وهو حماية العاملين الذين هم داخل سوق العمالة بالفعل. وهو ما يعني أن العاملين النظاميين يتمتعون بوظائف آمنة ذات دخل جيد، كما يتمتعون بمدد طويلة من الراحات ولا يبذلون إلا القليل من الجهد، وبصورة خاصة في القطاع العام. ويحصل الفقراء من الأقليات المستبعدة على بعض المعونات الاجتماعية، لكن المؤسسات الاجتماعية لا تبذل إلا أقل القليل من الجهد من أجل دمج هذه الفئات في المجتمع وتحسين فرصها في الحياة.

ويتفاقم الضرر الاقتصادي الذي يحدثه مثل هذا النموذج الاجتماعي الشركاتي بسبب التدخلات الواسعة النطاق من قِـبَل الدولة في كافة جوانب الاقتصاد. فضلاً عن ذلك فإن قطاعات الخدمات تتمتع بالحماية ضد المنافسة، الأمر الذي يؤدي إلى إعاقة النمو الإنتاجي والجهود الرامية إلى توفير فرص العمل في هذه القطاعات. ذلك أن التدخلات الحكومية تؤدي إلى تشويه الأسعار، وبالتالي إلى العجز عن تخصيص الموارد اللازمة لمجالات مثل: الرعاية الصحية والتعليم والزراعة.

والحقيقة أن اقتناع القائمين على الخدمة الاجتماعية في فرنسا بقدرتهم على رصد الفرص المتاحة للربح على نحو أفضل من السوق، يجعلهم ينخرطون في سياسة صناعية عملية تستعين بمجموعة متنوعة من الأدوات، بما في ذلك صد الأقليات أو السيطرة على حصص الأسهم في عدد من المؤسسات التجارية الكبرى. وكل ذلك يؤدي إلى اقتصاد ينمو بمعدلات ضئيلة للغاية، حيث يُـحْـكَم على أضعف الناس بحياة من الاستبعاد والحرمان من أية فرصة لإحراز أي تقدم اجتماعي.

كيف وقعت فرنسا في هذا الفخ؟ لا نستطيع أن نقول إن الأسباب وراء هذه المعضلة تقتصر على ذلك السعي الذي يفتقر إلى الحكمة من أجل تحقيق مصالح "اقتصاد المقبولين"، وذلك لأن فرنسا مثقلة أيضاً بمعتقدات إيديولوجية راسخة تشكل جزءاً كبيراً من المعضلة.

وطبقاً لاستطلاع الآراء الذي أجرته مؤسسة (World Value Surveys) خلال عامي 1999 و2000 في العديد من البلدان، فإن الفرنسيين في المتوسط يخشون مسألة التفاوت في الدخول أكثر من مواطني الدول الصناعية الأخرى. ومقارنة بالدول الأخرى التي تحقق نفس معدلات التنمية، فإن فرنسا تبدي تشككاً عظيماً في الفوائد التي قد تتحقق من خلال المنافسة (ولا يفوقها في هذه المخاوف سوى بلجيكا).

كما تتحمل المؤسسات السياسية الفرنسية قدراً كبيراً من المسؤولية عن هذه المعضلة. ذلك أن فرنسا تتمتع بنظام ديمقراطي مستقر، وكثيراً ما تتمتع الحكومة بتأييد الأقليات الكبرى في البرلمان. لكن هذا الاستقرار يأتي على حساب التغيير.

من المعروف أن الحواجز التي تمنع الدخول إلى عالم الصفوة السياسية في فرنسا مرتفعة إلى حد غير عادي. لقد تم انتخاب الرئيس الحالي جاك شيراك منذ عشرة أعوام؛ بعد أن كان عضواً في الحكومة منذ عام 1969. أما سلفه فرانسوا ميتران الذي انتخب رئيساً للمرة الأولى في عام 1981، فقد كان أول ظهور له في الحكومة في عام 1956.

علاوة على ذلك فإن فرنسا دولة شديدة المركزية، حيث يتم اختيار أغلب العاملين في مجال الخدمة المدنية من الدوائر المقربة من مستشاري السياسة الذين يستعين بهم كبار المسؤولين السياسيين، والذين يتلقون تعليمهم في نفس المؤسسة. ولا عجب إذاً أن التغيير نادراً ما يحدث في فرنسا.

مما لا شك فيه أن دولة رفاهية الشركات لا تشكل الأسباب الوحيدة وراء قيام"انتفاضة" بلاد الغال التي نشهدها اليوم. فقد وقعت أحداث الشغب العنيفة من قِـبَل المهاجرين والأقليات العرقية في بلدان أخرى أيضاً، من لندن إلى لوس أنجيليس. لكننا سنجد في النهاية أن الطريقة الأفضل للتعامل مع هذه الفئات من المجتمع ومنعها من التمرد تتلخص في الحرص على إتاحة الفرص الاقتصادية لكل فرد منهم يعقد العزم على المحاولة. ومن المؤكد أن تقديم المعونة الاجتماعية بلا أمل في تحسين الذات على المستوى الفردي لا يكفي. لقد حان الوقت أن تبدأ فرنسا في التساؤل حول جدوى نموذجها الاقتصادي.

في تصريح أخير بشأن الضواحي المحترقة أعلن شيراك: "يتعين علينا أن نتعلم كل الدروس الممكنة من هذه الأزمة حين يأتي الوقت وتستقر الأمور ويستتب النظام، ولسوف يتطلب هذا قدراً كبيراً من الشجاعة وبعد النظر". لكن الحقيقة أن هذه الدروس تحمل في طياتها إصلاحات قد يتجاوز مداها كل ما قد يتصوره شيراك.

جويدو تابيلليني أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة بوتشوني بميلانو.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2005.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »cherche emploi (moulla abd el hamid)

    الجمعة 24 شباط / فبراير 2017.
    Bonjour j'ai cherche emploi de électricité battement. Merci.