محمد أبو رمان

من اعتلال النظام إلى التحول الديمقراطي(2)

تم نشره في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

  تناولت في المقال السابق(بالأمس) حالة اعتلال النظام السياسي، التي ترتبط بالعديد من المؤشرات أبرزها: الأزمة الاقتصادية، تفكك النظام وظهور الأجنحة المتصارعة، المناخ الدولي المحفز للاتجاه نحو الديمقراطية. ولعل أبرز ما تتميز به "مرحلة الاعتلال" هو الضبابية واللا يقين حول طبيعة المرحلة القادمة. فأفول النظام وانهياره لا يعني – بالضرورة- أن القادم هو نظام ديمقراطي، فقد يكون البديل هو نظام سلطوي آخر، كما حدث في العديد من التجارب السياسية التاريخية. إلا أن ما يعنينا هنا هو الانتقال من حالة "اعتلال النظام" إلى الديمقراطية.

  عملية ولادة الديمقراطية من رحم النظام السلطوي ليست بالنظرية الناجزة بعد في حقل العلوم السياسية، لكن يشير كتاب غرايم جيل "السيرورة الديمقراطية" إلى جملة من المراحل التي تصاحب عملية التحول الديمقراطي، أبرز هذه المراحل هي عملية "اللبرلة" التي يلجأ إليها النظام السلطوي للحيلولة دون حدوث تغييرات بنيوية في قواعد النظام وأصوله. إذ تدفع النخب الإصلاحية في النظام باتجاه اللبرلة ونحو درجة من الانفتاح السياسي مقابل تعنت النخب المحافظة، التي لا ترى أن اعتلال النظام وصل إلى مرحلة الخطر، الذي يبرر المراهنة بتبني إصلاحات ليبرالية.

    وترى العديد من أدبيات "التحول الديمقراطي" أن اللبرلة هي مرحلة أساسية – في أغلب الدول التي تمر بمرحلة انتقالية-. وتمثل اللبرلة محاولة من النظام السلطوي للتحايل على استحقاق الإصلاح السياسي الديمقراطي، من خلال انفتاح سياسي جزئي يقوم - في بعض الحالات- على إطلاق سراح السجناء السياسيين، حرية التعبير، توسيع قاعدة المشاركة السياسية في القضايا غير الحساسة أو غير المؤثرة. فيما يعرّف هانتنجتون اللبرلة بأنها " اختيار جزئي من قبل النظام السياسي لا تتضمن إمكانية اختيار المسؤولين الحكوميين بانتخابات تنافسية حرة". أما (لوسيانو مارتيز) فيعرف اللبرلة: أنها تبني الديمقراطية باستثناء أربعة مبادئ رئيسة في اللعبة الديمقراطية: الإجماع على قواعد اللعبة، تحمل الحكام مسؤولياتهم السياسية، حق التمثيل السياسي، تداول السلطة.

   صحيح أن اللبرلة خيار النخبة الحاكمة، للحد من تداعيات اعتلال النظام، إلا أن نتائجها ومخرجاتها ليست مضمونة دوما. فقد تحفز هذه العملية قوى اجتماعية وسياسية على زيادة مطالباتها من النظام السياسي باتجاه مزيد من الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي. في هذا المجال، إذا كانت المعارضة على درجة من القوة والكفاءة السياسية قد تصل إلى عقد ميثاق جديد مع النخب الإصلاحية داخل النظام الحاكم، يقوم هذا الميثاق أو تلك "الصفقة" – بعبارة أدق- على الحل الوسط والالتقاء بمنتصف الطريق. في حين تختلف مضامينها من دولة إلى أخرى بين شروط إجرائية أو شروط جوهرية تتعلق بصميم الحياة السياسية.

   ويعرف هانتنجتون الصفقة السياسية(بين اللينيين في النظام والمعتدلين في المعارضة) بأنها "مقايضة المشاركة بالاعتدال" بمعنى السماح للمعارضة بالمشاركة في مقابل رفض المعارضة للخيارات الراديكالية وقبولها بالحلول الإصلاحية المعتدلة. وتمثل "الصفقة" مرحلة متقدمة في عملية التحول، إذ إنها تحد من حالة الضبابية واللا يقين الناشئة عن اعتلال النظام، وتحمل ضمانات كبيرة للطرف اللين (الإصلاحي) في النظام بالتقليل من خسائره أو مخاوفه من عملية التحول.

   ما يلفت الانتباه أنّ مفهوم "الصفقة" تقوم على خيارات وممارسات نخبوية أي بين نخب في الحكم ونخب في المعارضة، وتستبعد غالبا خيار الجماهير. وهذا الاتجاه يعكس رؤية تيار عريض من الخبراء والمثقفين الغربيين، الذين يعتبرون دور الجماهير وقوى المجتمع المدني ثانويا في عملية التحول الديمقراطي. إذ يرصد هانتنجتون(6) حالات فقط من (33) حالة تحوُّل ديمقراطي لعبت فيها الجماهير دورا محوريا.

   وتأخذ سيناريوهات التحول عدة صيغ: الأولى "مبادرة النظام" ويقوم هذا السيناريو على فرضية أن ميزان القوى بين الحكم والمعارضة يميل لصالح الحكم. إذ ينشأ إصلاحيون - في النظام- ويتمكنون من تحقيق نفوذ كبير، ويبادرون إلى القيام بإصلاحات ليبرالية، تتسع دائرة مطالب المعارضة المعتدلة بمزيد من الإصلاحات. فيقوم الإصلاحيون بالتفاوض مع المعتدلين(في المعارضة) ويتوصلون معهم إلى اتفاق يعيد تأسيس جزء من بنية النظام وأدواته باتجاه توسيع دائرة صنع القرار ومحاسبة السلطة والحريات العامة.

   بينما يقوم السيناريو الثاني على فرضية أن ميزان القوى يميل لصالح المعارضة على حساب الحكم، إذ ينشغل النظام باللبرلة، وتستغل المعارضة هذا الوضع لتكثيف نشاطها، فترد الحكومة بعنف لاحتواء الموقف، ويعمل قادة الطرفين على احتواء الوضع من خلال سلسلة كبيرة من المفاوضات التي تتسم بالصعوبة والشد والجذب، ما يؤدي في المحصلة إلى اتفاق يقوم على توسيع الضمانات ومكاسب سياسية كبيرة للمعارضة.

   أما السيناريو الثالث والأخير فيقوم على فرضية مختلفة تماما، إذ تقود جماعات المعارضة التحول والتغيير بعد أن يسقط النظام أو يُسقط. ويفترض هذا السيناريو أن النظام ضعيف من حيث الكفاءة السياسية، وأنه لا ينجح في صد ضغوط وحملات المعارضة المتتالية، فيرد بعنف، ما يزيد حالة العزلة والضعف، ويؤول في النهاية إلى السقوط، فتتولى المعارضة تصميم عملية التحول والصيرورة الديمقراطية.

  القيمة الحقيقية للسيناريوهات السابقة، المستنبطة من استقراء حالات التحول في العديد من دول العالم، أنّها تقدم رؤية استشرافية للمرحلة السياسية القادمة في العالم العربي، بعد حالة الاعتلال الحالية. لكن – كما ذكرتُ سابقا- لن تمر الدول العربية - بالضرورة- بالمراحل أو السيناريوهات ذاتها. وإن كان سيناريو "الصفقة" مرشحا للنضوج في العديد من الدول العربية. لكن الأمر يتطلب كفاءة وجرأة سياسية من قبل الإصلاحيين في الحكم ومن المعارضة المعتدلة. لكن في الحالة العربية تمثل جماعة الأخوان المسلمين أو حركات "الإسلامي السياسي الانتخابي" مركز الثقل في المعارضة العربية، وهو ما يضع على عاتق هذه الحركات مسؤولية إدراك اللحظة السياسية وقواعد التعامل مع النخب الحاكمة من ناحية. وأن تجعل - من ناحية ثانية- مسألة الإصلاح السياسي والمطالب الديمقراطية لُبَّ خطابها السياسي وتفاوضها مع النخب الحاكمة. فهل نشهد مثل هذا السيناريو في المرحلة القادمة؟

m.aburumman@alghad.jo

التعليق