إبراهيم غرايبة

الإخوان، الحكومات والتطرف

تم نشره في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2005. 02:00 صباحاً

تدور مسارات التطرف على الأغلب في مثلث من الإخوان والحكومات وجماعات التطرف. فعندما بدأ التطرف في صفوف الإخوان المسلمين في الستينيات استنادا إلى فكر المودودي وسيد قطب حول مفاهيم ومصطلحات الحكم والمجتمعات بادر الإخوان المصريون بسرعة وحزم إلى مواجهة الظاهرة. وكان كتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة" ردا واضحا وإعلانا حاسما برفض العنف والتطرف الطارئ بفعل بيئة وظروف استثنائية في الحياة الإسلامية.

وفي السبعينيات كانت ثمة مفارقة طريفة في الأردن ومصر. ففي الوقت الذي كان الإخوان المسلمون في مصر ينبذون العنف والتطرف ويعيدون صياغة جماعتهم - في مرحلة ما بعد عبد الناصر- على أساس من الاعتدال والدعوة والعمل السلمي ويستبعدون من صفوفهم كل من يحمل فكرا تكفيريا فقد كان النظام السياسي المصري يشجع جماعات التكفير على العمل بحرية، وكانت الصحف المصرية تفتح المجال واسعا لنشطائهم ومنظريهم للتعبير والنشر.

وأما في الأردن فقد تلقى الإخوان فكر التطرف بحماس ولهفة، وأعيدت صياغة جماعة الإخوان المسلمين في أوائل السبعينيات على أساس من مفاهيم الحاكمية والتكفير والجاهلية، وفي المقابل فقد أبدت الحكومة صبرا وتفهما، وتركت الإخوان يعملون بحرية واسعة.

ونشأت في الأردن حالة تستدعي الدراسة والتأمل، فقد واصل الإخوان المسلمون فكرا متطرفا قائما على أدبيات سيد قطب والمودودي يتعلق بالمجتمعات والدول والمؤسسات، ولكنهم طبقوا سلوكا يتعايش مع الواقع القائم ويوظفه.

وكانت حالة مألوفة ومدهشة في الوقت نفسه أن ترى الأخ المسلم الذي يصف المجتمعات والنظام السياسي القائم بأنه جاهلي، ولكنه يعمل في مؤسساته، بل ويترشح للانتخابات النيابية ويكون نائبا في البرلمان، بل إن أحدهم ألف كتابا أسماه "حكم المشاركة بالوزارة في الأنظمة الجاهلية" يفتي فيه بحرمة العمل وزيرا في الحكومة الأردنية، وكان هذا المفتي في الوقت نفسه نائبا في البرلمان ومقررا للجنة القانونية في المجلس، ولم يشأ أن يسأل نفسه وهو أيضا نائب في مجلس النواب الحالي أيهما أشد كفرا الوزير أم النائب الذي يشرع بل ويكون في اللجنة القانونية التي تصوغ وتشرع برأيه هو الكفر.

وكنا في "أسر الإخوان" ومجالسهم نسمع بحزم أن العمل الإصلاحي وبخاصة الجمعيات الخيرية هو ترقيع للجاهلية لا يصح بحال أن تشغل نفسها به حركة تغييرية مثل الإخوان المسلمين في الوقت الذي يعمل أصحاب هذا الفكر متفرغين في جمعية المركز الإسلامي الخيرية.

وكان مضحكا أن الذين انتقدوا بشدة أفكار الإصلاح والمشاركة في التنمية التي اقترحت في خطط الإخوان المسلمين وبرامجهم بالقول إن هذه المشاركة تساهم في إطالة عمر الأنظمة الجاهلية وتخفف عن الحكومة أعباء سياسية واجتماعية وتحول الإخوان إلى شركاء وحلفاء وسند لوزارة التنمية الاجتماعية والوزارات والمؤسسات الخدمية في الدولة كانوا يعملون في جمعية خيرية خدمية برواتب كبيرة جدا، وسمح أحدهم لنفسه وهو يتقاضى 1400 دينار شهريا من جمعية المركز الإسلامي أن يحسب لنفسه أيضا مبلغ 23 ألف دينار بدل مشاركته في إعداد منهاج للثقافة الإسلامية يعتبره شكري مصطفى وأيمن الظواهري غلوا وتطرفا.

وبالطبع فقد تطور فكر الإخوان المسلمين في الأردن نحو الاعتدال والوسطية والمشاركة السياسية، ولكن للأمانة فإنه تطور يحسب للدولة الأردنية أكثر مما يحسب للإخوان أنفسهم، بخلاف مصر التي دفع فيها الإخوان المسلمون ضريبة الاعتدال والتسامح وواجهوا هم بأنفسهم الغلو والتكفير أكثر من النظام السياسي.  

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنوان ضخم ومحتوى ضحل ! (محمدنور)

    الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    بسم اللة الرحمن الرحيم,مقالك يا اخي أبراهيم لم يرقى الى مستواك الرفيع المعروف به كمتخصص في هدة الشوؤن وتوقعت عمقا ونضجا اكبر لم اجده في المقالة للأسف بالرغم من اهمية الموضوع.وشكرا"
  • »لا فض فوك يا ابراهيم (واصف سلامة)

    الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2005.
    تعجبني في مقالتك التي تكتب وأراءك التي تتكلم بها في المحطات التلفزيونية التوازن والانصاف قدر الامكان ولذلك أحييك وأشدعلى يديك وأقول بارك الله في أمثالك وحفظ الله أردننا الغالي بقيادته الهاشمية الرشيدة.