بوش والخروج من العراق

تم نشره في الأحد 4 كانون الأول / ديسمبر 2005. 03:00 صباحاً

ما يمكن قوله عن الخطاب الأخير للرئيس بوش الابن الذي رفض فيه تحديد موعد للانسحاب العسكري من العراق هو أن الرئيس الاميركي يبحث منذ الان عن مخرج من المأزق الذي أدخل بلده فيه. والأمر الذي يرفض بوش الاعتراف به هو أنه لا مفر من الانسحاب من العراق بعدما تكفَّل الغزو الأميركي للبلد في اندلاع حرب أهلية ليس معروفا الى أين ستقود البلد.

لم يعد مكان للجيش الأميركي في العراق، علما بأن هناك فرصة للخروج من الحرب الأهلية في حال أدت الانتخابات التي ستجرى في الخامس عشر من الشهر الجاري الى قيام أكثرية برلمانية تمثل التنوع العراقي وترفض طغيان فئة على فئة أخرى، أي أن لا يعود العراق الى ما كان عليه في عهد صدَام حسين العائلي- البعثي الذي سيطرت فيه فئة محددة على مقدرات الوطن واحتكرت السلطة والثروة واضطهدت الشيعة والأكراد وحتى السنة العرب الذين رفضوا الطاعة العمياء لنظام "المقابر الجماعية".

فشل المشروع الأميركي فشلا ذريعا، أقله الى الآن، لا لشيء سوى لأنه أتاح انفلات الغرائز التي لم تعد تحركها سوى فكرة الانتقام ولا شيء غير الانتقام الذي بات الهاجس الوحيد لدى فئات واسعة من العراقيين. لم يعد مجال للعقل والتعقل، وكل من أراد الحديث عن عراق حديث وديمقراطي يسوده التسامح، وجد نفسه أمام آذان صماء على غرار ما حصل أخيرا مع الرئيس المؤقت جلال طالباني الذي سعى الى أن يكون رئيسا لكل العراقيين.

إنّ الرهان على الانتخابات يمكن أن يكون في محله، خصوصا في حال انبثقت عنها حكومة جديدة قادرة على استخدام نواة الجيش الجديد في عملية تستهدف حماية كل العراقيين وليس قسما منهم كما هو حاصل الآن. والأهم من ذلك، ان يتمكن الجيش الجديد من الحلول مكان الميلشيات الحزبية التي تتصرف على هواها من خلال منطق الانتقام والسعي في الوقت ذاته الى القضاء على الارهاب الذي يمارس حاليا في حق العراقيين أولا بواسطة مجموعات سنِية متطرفة تنتمي الى مدرسة بن لادن وكذلك الارهابيين الصغار والكبار الذين حولوا أرض العراق مرتعا للتطرف والمتطرفين من كل الأشكال والألوان.

لم يعد الوضع العراقي الناشئ عن احتلال البلد خافيا على القادة العسكريين الأميركيين الذين باتوا يدركون أن هذه الحرب لم تكن في حاجة الى خطط عسكرية فحسب. لكنها كانت في حاجة أيضا الى تفكير سياسي أبعد ما يكون عن التبسيط الذي ميز تصرفات المحافظين الجدد الذين تسعى وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الى الحد من الأضرار التي ألحقوها بالولايات المتحدة في العراق وغير العراق حيث أهدوا انتصارات مجانية الى ايران التي باتت تسيطر عمليا على الأرض العراقية، على الرغم من وجود نحو مئة وخمسين الف جندي أميركي عليها.

هل يمكن للانتخابات أن تشكل مخرجا من المأزق الأميركي في العراق؟

لا بد من انتظار نتائجها ومدى جدية القوى الوطنية العراقية في تجاوزالانقسامات المذهبية والمناطقية والقومية تمهيدا لايجاد مخرج من الحرب الأهلية. ولكن ما يبدو جليا هو أن هناك قوى عراقية بدأت تحضر نفسها منذ الآن لمرحلة يكون فيها العراق مقسما الى حد تتخذ فيه القرارات المتعلقة في النفط على نحو مستقل. والا كيف يمكن فهم القرار الذي اتخذته السلطات في كردستان والقاضي باعطاء ترخيص لشركة نروجية بالتنقيب عن النفط؟ أو ليس ذلك دليلا على أن فئات كردية تعمل منذ الآن من أجل الاستقلال؟ أكثر من ذلك، اليس ذلك دليلا على أن هناك من تخلى عمليا عن فكرة الدولة المركزية، وأن الفدرالية مجرد غطاء لترتيب كل قومية أو فئة أمورها بالطريقة التي تناسبها؟

في النهاية ما الذي سيمنع المسيطرين على محافظات معينة في الجنوب من الاتفاق مع شركات نفطية على رخص تنقيب بغض النظر عن رأي الحكومة في بغداد؟ وماذا يستطيع الجيش الأميركي عمله أمام هذا الوضع الذي ساهم في خلقه؟

في الواقع، الرئيس بوش الابن في حاجة الى معجزة لإعادة لملمة الوضع في العراق. كل ما يستطيع عمله في مواجهة القادة العسكريين الذين يشكون من السياسيين بعدما أوصلوهم الى حرب لا يمكن ربحها هو إعداد خطة للانسحاب. وهذه الخطة لا يبحث عنها العسكريون وحدهم، بل يبحث عنها أيضا الحزب الجمهوري الذي يخشى من كارثة في الانتخابات المقبلة لتجديد عضوية قسم من الكونغرس في تشرين الثاني- نوفمبر المقبل. انها مهلة كافية ليبحث الرئيس الأميركي عن مخرج يحفظ له ولحزبه بعضا من ماء الوجه أمام الديمقراطيين الشامتين بادارة خاضت حربا أدت الى مقتل 2100 أميركي الى الآن من دون أن تمتلك خطة واضحة لمستقبل العراق باستثناء الشعارات الفارغة التي فحواها أن الديمقراطية تفرض بالقوة في بلد لم يذق طعمها منذ ذلك الانقلاب المشؤوم في 14 تموز(يوليو) من العام 1958.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق