إبراهيم غرايبة

الإصلاح ليس لغزا

تم نشره في الاثنين 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

المواطن يعرف تماما ما يحتاج إليه ويتوقعه مقابل الضريبة التي يدفعها، وهذا الإغراق الهائل في الحديث عن الإصلاح في الإعلام والمنتديات والمؤتمرات يزيد العبء الاقتصادي والنفسي على المواطنين.

الإصلاح هو العدالة في الفرص والضرائب وأن يتمتع المواطنون جميع المواطنين بالضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والرعاية الاجتماعية، وأن يشاركوا بالفعل في صياغة مستقبلهم وخياراتهم.

نسمع كثيرا عن الإصلاح السياسي، لكن المواطن يتساءل عن مستوى التعليم والمدارس، ويغرقنا شباب مدللون بالحديث عن تشجيع السياحة والاستثمار، ولكننا نتساءل ونفكر في السكن المناسب والتغذية الصحية والصحة والمرض وسوء التغذية واللباس.

ونعلم عن حريات متاحة للأحزاب والصحف والنشر، ولكننا لا نملك القوة والفرصة للتنعم بالحريات والديمقراطية التي تفضلت بها علينا الحكومات، فالفقراء يخافون ويشعرون بالقلق على مستقبلهم ومصيرهم حتى في الدول المتقدمة في الحريات، فالديمقراطية في حالتها الراهنة مثل سلعة أنيقة وجميلة، صحيح أنها متاحة، ولكن إتاحتها لا تختلف عن المجوهرات المعروضة والمتاحة في السوق!

ومرحلة المعرفة المؤمل دخولها تقتضي بالضرورة معلمين مؤهلين ويجدون الفرصة في حياة كريمة، ولا يمكن أبدا بالظروف الحالية للمعلمين في المدارس الحكومية والخاصة أن نحلم بالمعرفة حتى لو أغرقنا المدارس بالحواسيب والمجتمع والبوادي والغابات بشبكة الإنترنت، وبالطبع فإن مائة ألف معلم يتساءلون عن علاقة الإصلاح والديمقراطية والإنفاق الحكومي والنمو الاقتصادي بفرص حصولهم مستوى لائق من الحياة الكريمة.

الحكومات لديها قدرة وكفاءة عالية في جمع الضرائب وتقنينها، تجعل كل الحديث عن تراجع دور الدولة وتعاظم المجتمعات المدنية والعولمة خرافة مضحكة، فهو تراجع لم يكن إلا في التعليم والصحة والرعاية، ولكنها لا تملك إجابات واضحة ومقنعة عما تفعل بهذه الضرائب أو كيف توزع أعباءها على المواطنين، وتكاد الخريطة الإصلاحية تكشف عن تحالف بين الحكومة والشركات الكبرى والأغنياء ضد المجتمع، فالإعفاءات والتسهيلات لا تفيد سوى الأغنياء، والضرائب المتسعة والمتزايدة تطال الطبقات الوسطى والفقيرة، والتشريعات تسهل على الشركات والمستثمرين وتضيق على العمال والمواطنين.

المنتظر ببساطة ووضوح هو أن يكون لكل مواطن رقم ضمان اجتماعي، وبطاقة تأمين صحي مناسب، وفرص تلقائية (لا تحتاج إلى وسائط واسترحام وعرائض) في العلاج والتكافل في المسؤولية الاجتماعية والقانونية والحماية في مواجهة الشركات التي تقدم خدمات أساسية ويومية مثل: الكهرباء والماء والاتصالات والتأمين، وحقوقا أساسية في قوانين العمل والاستغناء، وأن يتنافس المواطنون بشفافية وعدالة على الوظائف والفرص، العليا والعادية، في المؤسسات الحكومية التابعة لديوان الخدمة المدنية والمستقلة، وفي الشركات والقطاع الخاص أيضا، فنحن مجتمع عمل وخدمات، سيكون جوهر الديمقراطية والتنمية فيه قائما على فرص العمل وقواعد التنافس والترقية والتوظيف والاستغناء والحوافز.

والنتائج يمكن قياسها ببساطة ووضوح أيضا، في مستوى الخدمة والكفاءة التي يلمسها المواطن في حياته اليومية، وفي اتجاهات الإنفاق ومجالاته، وفي الحوافز، ولا تحتاج في فهمها وإدراكها إلى عبقرية، ما تحتاجه فقط هو الرغبة الحقيقية، فكما يعرف المسوقون والمستثمرون والتجار رغبات الناس واحتياجاتهم يفترض في المؤسسات العامة أن تملك الحاسة الصادقة والاستشعار الحقيقي لهموم الناس واحتياجاتهم.

وفي زحمة الحديث عن الإرهاب والتطرف فإن ثمة خوفا حقيقيا من الإضرار بإنجازات ومكتسبات فريدة، فقد كانت السياسات العامة للدولة في التعليم والثقافة والإرشاد على قدر كبير من الحكمة يجب أن نلاحظها، فلم تكن هذه المجالات مستقلة تماما عن الدولة كما في تونس وتركيا وسورية والجزائر (وكلها شهدت حالة من الموجة الدينية والعنف أيضا) ولم تكن في تبعيتها للحكومة مثل المؤسسات التنفيذية الأخرى، كما في مصر على سبيل المثال والتي شهدت أيضا حالة من المد والعنف الديني، ويجب المحافظة على هذه السياسة والإنجازات، وإن تضمنت كثيرا من الجيوب السلبية والتخلف فيمكن مراجعتها ضمن السياسة العامة نفسها وليس بتغييرها والتخلي عنها، وتلك مسألة تحتاج إلى شرح وتفصيل.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق