هل هناك تسونامي سياسي؟!

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

ثمة أسباب كثيرة تدعو الى التفاؤل من الانتصار المدوي والإنقلاب السياسي داخل حزب العمل وما نتج عن ذلك من تسونامي سياسي آخر تمثل في شق وإضعاف حزب الليكود. فالسبب الأول، هو أن خطوة شارون التي طال انتظارها أماطت اللثام عن إدعاء الليكود بانه يمثل مركز السياسة في إسرائيل. وتمكن شارون من إعادة خلق المركز في السياسة الاسرائيلية. فقد تبين أن شارون كان يعيش في غابة من المتطرفين الذين لم يتلكأوا أبدا في تقويض كل بادرة أمل لتحريك العملية السلمية مع الفلسطينيين، وهم امتداد حقيقي لمدرسة شامير في إضاعة الوقت والمماطلة بغية إيجاد المزيد من الحقائق على الأرض وذلك من أجل عدم تمكين أي كان من إيجاد حل يرضي الطرفين.

يجب أن لا يفهم من هذا الكلام أن شارون رجل سلام يعيش مع هؤلاء المتشددين. الفرق الوحيد بين شارون ومتطرفي الليكود هو أن شارون أدرك كغالبية الشعب الاسرائيلي أنه لا يمكن الاحتفاظ بالأرض ويهودية الدولة في آن واحد، ومن ثم فقد أعطى أهمية قصوى ليهودية الدولة وما يترتب على ذلك من تنازل للفلسطينيين. بمعنى آخر، تمكن شارون من توصيل رسالة قوية للشارع الاسرائيلي مفادها أن الليكود لم يعد يمثل المسؤولية الوطنية التي تليق بحزب حاكم.

السبب الآخر للتفاؤل هو أن عمير بيرتس مصمم على إيجاد بديل لسياسات اليمين السياسية منها والاقتصادية الاجتماعية. وهذا بدوره يعيد الحياه لحزب العمل بعد أن قبل، تحت قيادة بيرتس، بتذيّل الليكود لسنوات كانت مكلفة للمنطقة وحتى لإسرائيل. ينتمي عمير بيرتس أيديولوجيا الى ما كان يطلق عليه "عصابة الثمانية" داخل حزب العمل، والتي تميزت بمواقف حمائمية تجاه الفلسطينيين. وهو من أوائل الأعضاء الذين نادوا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة حتى قبل عملية أوسلو. ويمتاز عمير بيرتس بقدرته على مخاطبة الوسط العربي في إسرائيل إذ قال في خطاب إنتصاره بانه سيضم على الأقل حزبا عربيا واحدا للحكومة إذا ما شكلها. ومع انه من المبكر الحكم على هذا التصريح الأخير إلا انه من المفيد أن نشير الى أن ذلك يعبر عن موقف مهم مفاده ان بيرتس سيعتمد على الصوت العربي في الكنيست في القرارات المهمة دون الحاجة الديماغوغية، التي ميزت الليكود، للبحث عن الصوت اليهودي فقط في الكنيست.

ويلتقي كل من شارون وعمير بيرتس (وهذا مهم في حالة تشكيلهما حكومة ائتلافية قادمة) في الرغبة في إحداث إخلاء آخر لمستوطنات من الضفة الغربية. ولكنهما يختلفان على حجم ومدى الإخلاء. وقد استبق عمير بيرتس الكل عندما قدم للكنيست مشروع إخلاء طوعي للمستوطنين من الضفة الغربية. وقد اقترح بيرتس ومعه يولي تامير أن تقوم الحكومة الاسرائيلية بتقديم تعويض مالي لمن يرغب ترك المستوطنات والانتقال الى داخل الخط الأخضر.

ثمة ديناميكية تشجع بيرتس للعمل بإتجاه الإخلاء وهي أن حوالي 25% من المستوطنين في الضفة الغربية مستعدون للإخلاء في حال موافقة الحكومة على تعويضهم. وقد قامت حركة "بيت واحد" التي يتزعمها أفشلوم فيلان من ميرتس-ياحد وكولتي أفيتال من حزب العمل بإجراء دراسة مسحية تبين فيها ان العديد من المستوطنين على أهبة الاستعداد لترك المستوطنات في حال التعويض. ويهدف بيرتس من ذلك الى خلق ديناميكية تساعد على التوصل الى حل قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين. ومع ذلك لا يمكن لهذا المشروع أن يصادق عليه في الكنيست الحالية وإنما يمكن النظر اليه كأحد مكونات مشروع بيرتس للعلاقة مع الفلسطينيين.

الأمر المقلق في هذا الموضوع أنه وبالرغم من تصريحات بيرتس بضرورة التفاوض مع الفلسطينيين الا إنه يقوم ببعض الخطوات التي يمكن أن تفسر بانها استمرار للسياسة التي تستند على الأحادية وتغييب الشريك الفلسطيني. وهذ إشكالية كبيرة لأن إسرائيل تقوم في نهاية الأمر بتحديد حدودها مع الدولة الفلسطينية القادمة بشكل أحادي وحسب موازين القوى السياسية الداخلية. بينما يمكن لبيرتس والذين يؤمنون بالمفاوضات استخدام مواقف الفلسطينيين المعتدلين، على سبيل المثال، للضغط على الذي يريدون تحجيم المساحة المخصصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

من هنا فإذا ما شكل شارون حكومة قادمة مع بيرتس فإن شارون باستطاعته أن يأخذ بيرتس معه في اتجاه الحل الأحادي دون تنسيق مع الفلسطينيين. ولهذا السبب بالذات يبدو أن هناك تحديا من نوع خاص أمام القيادة الفلسطينية في المرحلة القامة. ففي الجدل الذي سيدور في أروقة الحكومة القادمة، سيكون موضوع الشريك الفلسطيني نقطة التصادم بين بيرتس وشارون.

التعليق