المعركة مع الإرهاب بحاجة لجهد إقليمي ودولي

تم نشره في السبت 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

 نحتاج الى اكثر من ميزان حساس لتقدير التوازنات المطلوبة لمرحلة ما بعد احداث التاسع من تشرين الثاني الجاري, اول هذه التوازنات هي ضرورة الخروج بمعادلة مناسبة بين الضرورات الامنية التي اصبحت الآن اكثر إلحاحا, وبين الحرص على عدم ارباك حياة الناس المعتادة, في الداخل وكذلك عدم الخروج عن تقاليد الانفتاح على العالم الخارجي من حيث الترحيب بالسياح والمصطافين والزوار والمستثمرين وتقديم كل التسهيلات الممكنة لهم. ثمة ما هو اكثر دقة وحساسية, وهو التوازن بين لزوم تشديد الضوابط الامنية, ورصد كل تحركات مشبوهة في الداخل, وبين مراعاة عدم اخذ الطائع بجريرة العاصي.

   من المعروف على نطاق إعلامي شامل ان هناك اجراءات لا تستثني احدا, مثل التفتيش على مداخل الاماكن العامة والرسمية والحساسة امنيا, والمطارات طبعا والفنادق وحتى المطاعم طالما ان تفجيرات الفنادق نبهتنا الى ان هنالك من هو مستعد لتقديم حياته من اجل قتل الابرياء الآخرين. ومن المفروض ان ينظر لمثل هذه الاجراءات على انها ايجابية ومفيدة وضرورية للحفاظ على حياة الناس وامنهم حتى لو ترتب عليها ذلك الحد الادنى من التأخير وحتى الازعاج.

   ما يحتاج لمقدار اكبر بكثير من الدقة والعناية هو تحقيق الغايات الامنية بكل ما يتطلبه الأمر من الحزم دون الوقوع في الاخطاء التي تقع فيها الان دول اكبر منا واقدر, وهو التضييق على حريات المواطنين المشروعة وربما على حقوقهم باسم المتطلبات الامنية, هذا هو الخطأ الذي تعاني منه الولايات المتحدة وبريطانيا, وهو الذي ادى الى هزيمة التشريعات التي وضعتها حكومة توني بلير في مجلس العموم الاسبوع الماضي تلك التشريعات التي تتعلق بمثل هذه النقطة بالذات.

   البديل الافضل هو تجنيد كل مواطن للمساهمة من موقعه ايا كان في العملية الامنية على اساس الشعار القديم "كل مواطن خفير", لقد اثبت المواطن الاردني بعد الاحداث المفجعة الاخيرة انه الرصيد الحقيقي لأمن هذا الوطن, وانه الدرع المكين لحمايته مما يحيط به من مكايد وشرور, وما التفاف الشعب بهذه الصورة الاصيلة المشرفة حول القيادة الا الدليل الكبير على امكانية توحيد جهود اجهزة الامن التي اثبتت تلك المقدرة الفائقة في الكشف عن مدبري الجرائم البشعة, مع جمهور المواطنين حتى يصبح كل مواطن خفيرا بالفعل, وحتى يؤدي رص صفوف المواطنة المسؤولة بسد اية ثغرة قد يتسلل منها مدبر شر من خلال الاختباء في شقة مفروشة او في فندق او في العراء او في اي مكان، ومن شأن ذلك ان يحصن هذا الوطن من الداخل وان يخفف العبء الكبير عن اجهزة الامن عندما يصبح جمهور المواطنين درعها وسندها وليس هدفها.

   من الممكن ان يقال اننا لسنا شعبا من الملائكة شأننا في ذلك شأن بقية شعوب الارض, وقد يصح مثل هذا القول كما يصح ايضا القول في ان الانسجام بين سلوك المواطن ومتطلبات الالتزام بالقانون قد يتفاوت وقد يتشعب وقد يتناقض في امور كثيرة. ولكن الاحداث الاخيرة, وذلك الالتفاف غير المسبوق للشعب الاردني بكامل فئاته حول قيادته وحكومته واجهزة امنه اثبت ان هنالك استثناء هاما في عدم التناقض بين اهواء الناس وقواعد القانون, وهو ان المزاج العام يتغير جذريا عندما تتعرض حياة المواطنين لمثل الخطر الذي واجهناه تلك الليلة المشؤومة التي واجهنا خلالها اعداء الحياة وطلاب الفتنة والدمار والخراب وسفك الدم البريء.

   يجدر بنا بذل كل الجهد الممكن للحفاظ على صورة التآلف وتوحيد الجهد والهدف والغاية التي انبثقت تلقائيا عن تلك الاحداث الرهيبة, ومن المؤكد ان الغالبية العظمى من المواطنين هي المكون لهذا الرصيد الوطني الكبير, وان وجد من شذ عن قواعد المواطنة والخلق والايمان وخرج عن جادة الصواب فإنه سيكون من بين القلة النادرة التي سيسهل فرزها وكشفها وتنظيف المجتمع منها. إنّ من شأن اشراك المواطن في عملية صون امن الوطن والمواطن ان يشحذ عزمه ويصلب ارادته ويقوي اصراره على القيام بمثل هذا الدور البناء وهذا هو المطلوب في هذه المرحلة الدقيقة.

   بقي ان انوه الى ان اكثر الخبراء معرفة بأساليب مكافحة الارهاب يحذرون من ان الاجراءات الامنية المجردة قد لا تفي بالمطلوب وأحد اهم اسباب ذلك ان الارهاب بطبيعته يبحث عن الاهداف السهلة فإن سدت في وجهه سُبُلٌ سلك غيرها, فعندما أُحكِمتْ اجراءات الحماية على المطارات والطائرات استُهدِفت محطات السكك الحديدية وقطارات الانفاق وحافلات الركاب والفنادق والمنتجعات السياحية. ولا ندري اي وجهة سيتوجه ارباب الارهاب اليها عندما تحكم الحماية على الفنادق والاماكن العامة, وليس من الممكن أن يتحول كل مكان يتمتع فيه الناس الى حصن.

   ما هو اهم من ذلك ان هذا البلد لم يعاد أحدا ولم يعتد على حقوق احد, ولم يتدخل في شؤون احد, ولم يحتل ارض احد فلماذا يستهدف اذن?

   الجواب هو اننا نتواجد في وسط منطقة ملتهبة ويستبد العنف في جوارنا شرقا وغربا, وما وصلنا هو ما فاض عبر حدودنا مما هو مستشر في جوارنا.

   اذن المعركة مع العنف والفوضى والارهاب هي ليست معركتنا وان فرضت علينا الظروف الصعبة ان نخوضها فالمطلوب اذن جهد دولي واقليمي لمعالجة المشكلة برمتها لا يجوز ان يلقي العبء علينا, ولن ينجح اي جهد مهما بلغ من الكفاءة والمقدرة ان لم يرفد بجهد دولي واقليمي اشمل لاستئصال كل بؤر التوتر التي يتغذى عليها الارهاب والتي يستمد منها الحيلة والوسيلة لتجنيد من استبد بهم اليأس لغاياته المدمرة الشريرة.

التعليق