جميل النمري

سقوط نهج التبرير والتبرئة

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

احسنت "الغد" بالمبادرة الى استطلاع الرأي الذي اجرته لحسابها مؤسسة مهنيّة مستقلّة. وكانت النتيجه كما هو متوقع: انهيار سمعة "القاعدة" بعد ان كان استطلاع لمؤسسة "بيو" الاميركية، قبل أشهر، قد أظهر نسبة تأييد لها تصل الى 60%، لكن الامر يحتاج الى بعض التوضيحات.

التعاطف السابق مع "القاعدة" لم يكن يعني ان الشعب الاردني متطرف يدعم العنف او الارهاب، فكما نبّه د. موسى شتيوي عن حق، فقد كان استطلاع لمؤسسته قد أظهر ان الاغلبية الساحقة من الاردنيين تؤيد الوسائل السلميّة للتغيير، لكن المسألة ببساطة ان غالبية المواطنين -وهي تتأثر كثيرا بما يحدث في فلسطين والعراق- كانت تظهر تعاطفا مع من يظهرون بوصفهم الاكثر شجاعة وتحدّيا في مواجهة الاعداء الذين اذلّوا الامّة كثيرا.

المشكلة ان الغالبية من الناس لم يكن لديها فكرة صحيحة عن أجندة هذا التيار الذي يقدم نفسه كتيار جهادي، يمثل الاسلام وإرادة الأمّة.

هذا التيار، بالاصل، قضيته داخلية؛ فداخل التيار الاسلامي العريض، ذهبت بعض اجنحته باتجاه أكثر تطرفا، وصل الى تكفير المجتمع وإعلان الحرب عليه. وهذه الظاهرة رأيناها في العديد من الدول، وأولها مصر مع تنظيم الجهاد الذي كان يفجّر باصات السياح ويغتال المثقفين. لكن بن لادن، الذي خبِر فعالية قضيّة الجهاد وسحر التأثير على الجمهور حين يكون العدو المستهدف خارجيا (الروس في افغانستان)، اقترح على الظواهري -أحد زعماء "الجهاد" المصري- هذه الاستراتيجية البديلة الناجحة بعد فشل اسلوب العنف الارهابي الداخلي، والتحق الاخير بأفغانستان. وقد وجد خطاب المواجهة مع اعداء الأمة "الصليبيين واليهود" صدى قويا في ارجاء العالم الاسلامي، تماما كما اراد وتوقع بن لادن. ورغم ان نموذج حكم طالبان كان أسوأ من ان يجذب احدا، لكن المواجهة الاعظم مع "أعداء الامّة" كانت تغطي على بؤس وكارثيّة المشروع الاجتماعي لهؤلاء، الى ان جاءت الضربة الكبرى في 11 سبتمبر 2000 لتستنفر ردّة فعل اميركية ودولية اطاحت بالحكم في افغانستان، وشتتت "القاعدة"، فزاد الاتجاه "الجهادي" تطرفا في استهداف المرافق السهلة للمدنيين كما في مدريد ولندن، وأخذ يشمل ايضا دولا عربية واسلامية. وقد اعطى احتلال العراق نَفَسا جديدا قويا لهذا الاتجاه الذي ذهب بقيادة الزرقاوي الى اقصى حدود التطرف وتمجيد الوحشية والرعب بجزّ رؤوس المختطفين!

الشعبية التي حصدها تيار التطرف هذا بدأ يستثمرها في عودته لمواجهة "انظمة الكفر والتبعية"، وبنفس الاساليب القديمة.

لكن الذنب الكبير هنا هو على الاتجاهات السياسية والفعاليات والكتّاب، الذين تعاموا عن حقيقة المشروع الخطير لهذا التيار تجاه المجتمعات العربية والاسلامية تحت ذريعة الحفاظ على التعبئة العامّة ضد "أعداء الامّة"، فكان التسويغ البائس لهذه العمليات ضد المدنيين بأنها ثمرة العدوان الاجنبي! وفي اسوأ الحالات، حين تكون العملية غير قابلة للتبرير، يتم تحميلها للأعداء الذين يريدون تشويه المقاومة والجهاد! حقا، لقد حظي هذا التيار المتطرف بتغطية سياسية واعلامية ساهمت في الحفاظ على شعبيته، اكان بتبرير بعض اعماله او تبرئته من بعضها الآخر، وسنناقش في غير هذا المقام الضيق نماذج من هذا التبرير والتبرئة.   

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق