إبراهيم غرايبة

مواجهة اجتماعية وفكرية مع العنف

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

المعلومات التي قدمها السيد مروان المعشر، نائب رئيس الوزراء، تؤكد صحة التحليل والانطباع الأولي الذي تشكل فور وقوع حوادث التفجير في عمان، وهو أنها وقعت في سياق العنف العالمي المتصل بسياسات أميركية وعالمية، وأنها متصلة بما يجري في المنطقة من عنف وتوتر، وأنها تندرج تحت عنوان "الإرهاب في مواجهة العالم، والعالم في مواجهة الإرهاب"، فهي حالة عولمة أكثر مما هي محلية.

لم يكن الأردن مسرحا للعنف الدموي والخطر طوال العقود الماضية، ولم يكن في حالة مواجهة قاسية مع جماعة إرهابية أو سياسية منظمة، فقد كانت جميع العمليات السابقة التي أعلن عن وقوعها في الأردن تعود لمجموعات محدودة غير منظمة تحاول أن تضر بمؤسسات وقيادات سياسية وأمنية ودبلوماسية، وكان عدد المعتقلين في قضايا الإرهاب محدودا بالعشرات، وكانت نتائجها أيضا محدودة، ويغلب عليها مشاركة غير الأردنيين.

لكن العنف السياسي والإرهاب لم يعد قضية محلية متعلقة بالسياسات والمواقف المتبعة في دولة، ولا يمكن فهمه أو تحليله وفق معلومات وسياسات ومدخلات وطنية محلية، بل يجب التعامل معه ومواجهته على أنه قضية العالم كله، فالأردن يبدو في مواجهة مع جماعات معولمة لا تستهدف سياساته ومواقفه بالتحديد، ولكنها حالة عالمية متداخلة.

وربما يكون ملفتا في هذا السياق أن العنف الذي ارتبط بقضايا محلية، كما كان يحدث في الجزائر ومصر، قد توقف وأمكنت مواجهته بمجموعة من الإجراءات والسياسات الأمنية والسياسية.

بدأ العنف "العالمي الإسلامي" الموجه ضد الولايات المتحدة والغرب في منتصف تسعينيات القرن الماضي، واستهدف قواعد عسكرية أميركية في السعودية واليمن. وكانت جماعات الجهاد في ذلك الوقت لا تؤمن بهذا النوع من العمل، وكان أيمن الظواهري يعلق على هذه العمليات بأنها غير مجدية، وأن تحرير القدس ومواجهة الاستعمار يبدأ بمواجهة النظام السياسي في مصر. لكن جماعات الجهاد المهاجرة من مصر(الذين بقوا في مصر أجروا مراجعة استراتيجية، وتخلو عن العنف في مراجعات مشهورة) وبالتحالف مع "القاعدة" التي بدأت بالتشكل في أفغانستان مع مجيء نظام طالبان في العام 1996 (وكان أسامة بن لادن قبل ذلك مقيما في السودان، ويكاد يتجه نحو الاستقرار والانغماس في الاستثمار والمصالح التجارية) بدأت وجهة جديدة في المواجهة أقرب إلى اليائسة، إذ نفذت مجموعة من العمليات التي تستهدف الدبلوماسيين والسواح والمواطنين الغربيين العاديين حول العالم.

ولكن المواجهة الشاملة والحصار على هذه الجماعات بعد 11 سبتمبر ربما يكونان قد دفعاها إلى وجهة جديدة في استهداف الأنظمة السياسية، وعندما فشلت في هذه المواجهة أيضا اتجهت نحو المجتمعات.

هذا التحول من "الصليبية واليهودية العالمية" إلى الأنظمة السياسية ثم إلى المجتمعات في الحرب، قد يؤشر على حالة من التراجع في قدرات هذه الجماعات ومحاصرتها بحيث بدأت تتجه نحو أهداف يسهل الوصول إليها، كما قد يؤشر أيضا على حالة من التطور الفكري والأيدولوجي نحو مزيد من التطرف والحقد الشامل على جميع الناس. ومن المعلوم أن جماعات التكفير والتطرف قد تشكلت في السجون المصرية في ستينيات القرن العشرين.

مواجهة العنف والإرهاب تبدأ باعتبار الظاهرة قضية عالمية مثل: الأوبئة، والمخدرات، والتلوث، والجريمة العالمية المنظمة، وبتصنيف العمل في مواجهتها ضمن النشاط الإنساني الاجتماعي والأمني؛ ولم تعد دولة بمفردها قادرة على مواجهة الظاهرة، ولا يمكن أيضا مواجهتها أمنيا، بل إن النجاح والتقدم الأمني قد يكون أحد أسباب توجه العنف نحو الجنون ومزيد من الخطورة والرعب.

وبالطبع، فإن حداثة الظاهرة بالنسبة إلى غيرها من الظواهر العالمية، سيجعل بدايات المواجهة مرتبكة أو غير شاملة، ولكن كما طورت التجارب والقدرات والإجراءات الأمنية، فإن العمل الاجتماعي والفكري في مواجهة العنف والإرهاب يجب أن يكتسب الخبرات المتراكمة والشرعية والقبول أيضا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق