إيران وإسرائيل: علاقة ليست ببعد واحد!

تم نشره في الثلاثاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

إذا دقق المرء في السياسات الايرانية، حيال اسرائيل والصراع معها، وقد استحضرها خطاب أحمدي نجاد الأخير، أدهشه حجم المواربة ومدى الافتراق بين الواقع والخطاب الايديولوجي.

ولنقل، منذ البداية، ان آية الله الخميني لم يتأخر لحظةً في التشهير بالصهيونية ودولتها. ومع انتصار الثورة، في 1979، أغلق سفارتها وجعل منها، كما هو معروف، مقراً لسفارة فلسطين. ومنذ الأيام الأولى لحكمه جُعل آخر يوم جمعة من شهر رمضان يوم تضامن مع الشعب الفلسطيني، حيث تأسس تقليد المظاهرات المليونية التي يستعرضها النظام الجديد دليلاً على قوته.

بيد ان التطرف ضد اسرائيل كان لفظياً فحسب. ففي المحطات والمفاصل الأساسية كان الجهد منصباً ضد العراق الذي سبق لحاكمه صدام حسين ان هاجم ايران. وهو ما يفسر ان شمعون بيريز، خلال توليه منصبي رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية غير مرة في الثمانينيات، حاول اقناع واشنطن بتسليح ايران واعادتها الى الحظيرة الغربية على ما كانته أيام الشاه. قبل ذلك، ومن على شاشة NBC، تباهى أرييل شارون، عام 1982، وكان لا يزال وزيراً للدفاع، بأن حكومته ستستأنف بيع السلاح لطهران بمعزل عن الحظر الاميركي لمبيعات كتلك تبعاً لموضوع الرهائن.

ولئن كانت ايران، في تلك الفترة، توالي تقديم الاقتراحات بطرد اسرائيل من الأمم المتحدة، فإن المطلب المستحيل هذا لم يحل دون استمرار العروض الاسرائيلية، تماماً كما لم يحل دون انحياز ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية الى صف بغداد.

لقد بدت الاعتبارات العملية المتعلقة بالعراق مصدر القرار الايراني، وليس اللفظيات المتوترة المتعلقة باسرائيل. فطهران، آنذاك، لم تقدم على أي عمل يُذكر مما يؤذي الدولة العبرية. وحتى دور سفيرها في دمشق، محتشمي، في تأسيس حزب الله، كان أقرب الى تعزيز نفوذ بلاده اقليمياً وسد النوافذ في وجه بغداد منه الى ايذاء اسرائيل. وبالرجوع الى السنوات الأولى في نشأة الحزب المذكور يتبين كم ان نشاطه المناهض للعراق كان أكبر من نشاطه المناهض لاحتلال الجنوب. وأهم من هذا كله ان أواسط الثمانينيات سجلت اتفاق هاشمي رفسنجاني الشهير مع بعض موظفي إدارة ريغان، وهو ما عُرف بـ "ايران غيت" و"كونترا غيت" مما كثر اللغط حول وجود أصابع اسرائيلية وراءه.

على ان الأمور بدأت تتغير فعلاً مع انتهاء الحرب الباردة وانعقاد مؤتمر مدريد، ومن ثم اتفاق أوسلو. وليس بلا دلالة ان فترة 1993 - 1996 هي التي شهدت أرفع تصعيد عسكري يمارسه حزب الله في الجنوب، وأشرس ردود اسرائيلية من نوعها: ابتداء بتدمير الجسور في 1993 وانتهاء بمجزرة قانا الرهيبة بعد ثلاث سنوات.

لكنْ هنا ايضاً لم يكن العداء لاسرائيل ما يقود خطى طهران، بل الخوف من ان يفضي التقارب العربي- الاسرائيلي- الاميركي الى محاصرة ايران وعزلها. وكان للرعب من شبح "الشرق الأوسط الجديد" الذي لا مكان فيه للخمينية، ان جعل البراغماتي والايديولوجي يلتقيان، دافعاً اللفظية المناهضة لاسرائيل الى حيّز الفعل والممارسة.

وبالفعل ففي أواخر 1992 باشرت حكومة شمعون بيريز/ اسحق رابين حملة لتصوير ايران والأصولية الشيعية بمثابة خطر كوني. كذلك أعلن رابين، في 1993، وأمام الكنيست، ان دولته تكافح "إرهاباً اسلامياً إجرامياً"، وان عليها إيقاظ العالم الى خطر لا يزال الكون ساهياً عنه فيما "الموت يقف أمام عتبتنا".

ومن ناحيته، اتجه الارهاب الايراني الى استهداف اليهود، بلا تمييز، من خلال عملية المعبد اليهودي في الارجنتين عام 1994. وقد اندرج ذلك في الرد على الآفاق السلمية، ومن ثم احراج الفلسطينيين والعرب، والاستعداد لمجابهة نظرية "الاحتواء المزدوج" التي سادت التسعينيات. وهو جميعاً ما يفسر كيف ان محاولة محمد خاتمي التي دامت رئاسته من 1997 حتى أشهر خلت، كانت محكومة بالإخفاق. صحيح ان ضعفه ومحدودية الاستجابة الاميركية له لعبا دورهما، لكن الأهم تجسد في طبيعة المرحلة التي أرادت الخاتمية ان تسبح ضد تيارها.

وعلى النحو هذا يمكن النظر بدقة أكبر الى خطاب نجادي الأخير، على خلفية الخطط النووية والنزاع الاميركي - الايراني على العراق (وأفغانستان). فقد كان ملحوظاً ان يوم القدس، حيث ألقي الخطاب، كان هزيلاً في حشده قياساً بالايام الخمينية الأولى. وهو ما استدعى البحث عن أسباب تصلب الخطاب في أزمات النظام، وليس في قناعاته العميقة أو خططه العملية. ذاك ان نخبة السلطة تعاني تمزقاً بيّناً تدل اليه حركة إبدال قرابة ثلاثين سفيراً بمن فيهم السفراء الثلاثة في لندن (محمد حسين عادلي) وباريس (صادق خرازي) وبرلين (شمس الدين خارقهاني). ويلاحظ ان هؤلاء الثلاثة فضلاً عن زميلهم الرابع الذي استُبدل (وهو السفير في كوالالمبور أمير حسين زمانينيا) يجمع بينهم جامعان: فهم كلهم كانوا معنيين بالمفاوضات النووية مع الأوروبيين خلال العامين الماضيين، وهم كلهم رفسنجانيون.

وقد لاحظ المراقبون انها المرة الأولى التي تنعكس فيها نتائج الانتخابات الرئاسية على السلك الديبلوماسي لوزارة الخارجية، ما يوحي ان الحرب شعواء، هذه المرة، بين نجادي ومنافسه في معركة الرئاسة رفسنجاني.

لكن الحرب شعواء أيضاً بين نجادي والرئيس السابق خاتمي الذي تردد ان الأول خفض موازنة مؤسسة "حوار الحضارات" التي يشرف الثاني عليها، كما أبعد أنصاره أسوةً بأنصار رفسنجاني. وثمة من يضيف ان الأمور ليست مستتبّة بين نجادي والمرشد الأعلى علي خامنئي لأن الأول من القائلين بنظرية الاتصال المباشر بالخميني قفزاً من فوق وريثه في المرجعية!

وقد لوحظ ان الرياح في المجلس لا تجري بما تشتهيه سفن الرئيس. ففي آب (أغسطس) الماضي رفض النواب اربعة وزراء سماهم نجادي، وهناك الآن اربع حقائب وزارية لا تزال شاغرة رغم مرور اشهر على انتخابه رئيساً. ومن ناحية أخرى، يبدو ان وعود نجادي الشعبوية بالعدالة وتوزيع الاموال النفطية على الفقراء هي ما شرع يتكشف بوصفه اوهاماً مضخمة. فما حدث، إبان شهر رمضان، ان اسعار الدجاج ارتفعت فيما كان البرلمان يخفض الدعم عن الخبز والاسمنت وسلع أساسية أخرى. وبدورها، عبّرت "منظمة العفو الدولية" مجدداً عن قلقها على سلامة أكبر غانجي، الصحافي الذي قضى الزمن الأطول في السجن، بينما نُقل عن زوجته تعرضه لتعذيب وحشي.

وقصارى القول إن تجديد نبرة التطرف حيال اسرائيل تجد مصادرها في مصاعب نجادي. وهذا من قبيل الوفاء للتقليد الذي أرساه الخميني منذ استيلائه على ايران في 1979.

كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق