عشر سنوات على اغتيال رابين

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 03:00 صباحاً

تصادف هذه الأيام الذكرى العاشرة لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين على يد يهودي متطرف، وذلك احتجاجا على توقيع رابين اتفاقيات أوسلو. ومن دون شك، فإن حادث الاغتيال كان منعطفا مهما في تاريخ اسرائيل الحديث، إذ غيّب قائدا تاريخيا امتلك الرؤية والشجاعة معا؛ ومنذ ذلك اليوم وإسرائيل تتخبط وتعاني من عدم وجود قادة تاريخيين يستطيعون أن يتعاملوا مع الراهن السياسي بمنطق حكيم وتاريخي.

فقد ساهم كل رؤساء الحكومات اللاحقين في تدمير عملية السلام بشكل كبير، ولم يبق من تركة رابين شيء يذكر. ومن الواضح أن اسرائيل لا تنتج الآن قادة، بل جنرالات يقودون السياسة الخارجية بعقلية قائد اللواء العسكري؛ فالقائد السياسي الحقيقي هو من يمتلك الرؤية السياسية، والشجاعة الكافية، لقيادة الشارع والتأثير فيه وليس العكس، ولعل هذه هي الصفة الرئيسة التي ميزت رابين.

بيد أن التفرد لدى رابين عن غيره من السياسيين الاسرائيليين يكمن في انه رئيس الحكومة الأول بعد حرب 1967،الذي أدرك أن عامل الوقت هو أحد اللاعبين السياسيين المهمين الذي يمكنه أن يقلل أو يعظّم من مكتسبات اسرائيل. وبناء على هذا الفهم، فقد تنبه رابين في العام 1992 إلى أن هذا العامل لا يسير في صالح اسرائيل، خلافا لما تظنه الغالبية العظمى من السياسيين الاسرائيليين. ويذكر مدير مكتبه آنذاك، إيتان هابر، أن رابين بدأ يدرك أن قدرة المجتمع الاسرائيلي على تحمل صراع طويل من هذا النوع آخذة بالتدهور، وأن الوقت حان لتغيير نمط العلاقة مع الجيران العرب، وخاصة الفلسطينيين، فيما إسرائيل في أقوى أوضاعها.

وقد تكلم رابين عن رؤيته التاريخية والاستراتيجية التي تخدم اسرائيل، ومفادها ان التحولات العالمية والاقليمية قد أوجدت نافذة فرصة لإحداث السلام. وكان يعتقد أن امام اسرائيل عقد من الزمان لعمل السلام قبل ان يظهر الخطر الايراني العسكري والاستراتيجي، وأن اسرائيل في موقع من القوة الكبيرة التي تمكنها من صنع السلام، وتقديم التنازلات، استعدادا لمواجهة الخطر الايراني، وذلك مع الجيران العرب وليس ضدهم.

وبصرف النظر عن الذين صوروا رابين كرجل محب للسلام، فإن الحقيقة الساطعة ان رابين لم يقدم تنازلات حبا في العرب أو ايمانا منه بعدالة مطالبهم، وانما حبا منه لاسرائيل والحفاظ على مصالحها في عالم متقلب. ولا يفهم هذا المنطق سوى القادة التاريخيين المتمرسين في العمل السياسي. وبالتالي، فالمأزق الآن هو اسرائيلي بامتياز، وهو افتقاد اسرائيل لقائد يخرج اسرائيل من غطرسة القوة المستند إلى موازين قوى قد تتغير في المستقبل المنظور، وعندها ستضطر الى التنازل وهي في موقف ضعف! فالأحادية الجديدة التي تنتهجها اسرائيل تقوم على غياب الرؤية الواضحة، وتنبع عن عدم فهم لعجلة دوران التاريخ.

لا يعني هذا أن الوقت يسير في صالح الفلسطينيين، وليس علينا الركون الى مثل هذا الاجتهاد؛ فلعبة الوقت الاسرائيلية تفضي الى حقائق على الارض، مثل الجدار والاستيطان، وتقلل من فرصة التوصل الى الحل بشكل سلمي. ومن المهم أن نتذكر أنه ليس في اسرائيل الآن اي اسم مطروح لقيادة اسرائيل حسب الفهم التاريخي "الرابيني" للوقت، ولهذا يجب أخذ الحيطة والحذر من الفراغ الفكري لدى من يقودون اسرائيل حاليا.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق