دلالات : الخروج بالخصخصة عن أهدافها

تم نشره في الثلاثاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2005. 02:00 صباحاً

أخذ العالم بالتحول من العام إلى الخاص خلال العقد الماضي بفعل النجاحات الهائلة التي حققها اصحاب رؤوس الاموال في إدارة استثماراتهم الخاصة. وقد قبلت حكومات العالم الاول على نفسها ان تتنازل عن سيادتها أولا بأول  لصالح  التكتلات المالية الكبرى التي استطاعت بسط نفوذها على قواعد السلطة التنفيذية كما استطاعت السيطرة على نشاط السوق بشكل عام. رغم وضوح سياسات التحول التي انتهجتها دول العالم الاول إلا ان التطبيقات التي اتبعتها دول العالم الثالث تباينت بشكل كبير عما هو متبع  في العالم المتقدم الامر الذي جعل من جدوى الخصخصة في الدول النامية موضع شك وحذر إلى حد كبير. أولى تلك التباينات أن إقدام دول العالم الاول على التخصيص ، لم يأت دفعة واحدة بل جاء عقب عمليات هائلة من الاصلاح الاداري والاقتصادي ما جعل التحول إفرازا طبيعيا اقتضته مصلحتها في دفع عمليات التنمية نحو الافضل.  أما دول العالم الثالث فقد ظلت تعاني من الإحباطات على مختلف الاصعدة حتى انتهت بقبول الخصخصة كملاذ  من رقابة العالم عليها اكثر من كونه طريق اصلاح نابعا من داخلها.

  

ولكن ما يزيد موضوع الخصخصة صعوبة وغرابة، ان حكومات دول عدة اخذت، بحجة الخصخصة، تتوغل في القطاع الخاص بزعم مسايرتها لتيارات الاصلاح الاقتصادي حول العالم. والامثلة على ذلك عديدة اقربها إلينا ما نشهده في الاردن حيث أخذت الحكومة بعد تخصيصها لعدد من مرافق القطاع العام، بالمبادرة إلى تأسيس شركات مملوكة منها. أي بمعنى، انه اصبح للسلطة التنفيذية حق العمل في السوق المحلي كأحد القادرين اللاعبين فيه والاستفادة من اجوائه المفتوحة. واضح ان إقدام القطاع العام على التوغل في سوق الاقتصاد الحر عبر تأسيسه شركات فيه يتناقض وصميم المصلحة التي وجدت الخصخصة لأجلها، ذلك ان الخصخصة بأبسط صورها تعني تنازلا عن صلاحيات السلطات التنفيذية لمن هو أكفأ على إدارة شؤونها وليس توسعا لعمل السلطة التنفيذية نحو قطاعات لا تتواءم معها. والشركات التي تمتلكها الحكومة، أي حكومة كانت، هي بمثابة تغيير في هياكل القطاع العام مع الحفاظ على المضمون. لا بل ان هذا النوع من التغيير قد ينذر بعواقب عدة إذا لم يَُصرْ إلى ضبطه بشكل فعّال، لأن شركات القطاع الخاص المملوكة للخزينة تبعد جانبا من حقوق الدولة عن الرقابة الادارية عليها وتصبح فرص العبث بحقوق الخزينة اكبر بكثير من حالها وهي عاملة في قوالب الحكومة التقليدية. ولا ادل على ذلك انه يعصى على اجهزة الضبط الحكومي  في العديد من الاحيان الامساك بمخالفات كبيرة رغم الرقابة المباشرة عليها، فلنا ان نتخيل واقع الحال عندما تخرج تلك المؤسسات إلى قطاعات لا رقابة عليها.

واضح ان الخلط  في تفسير مضمون الخصخصة دفع بها إلى تجارب غريبة عنها، وأن تطويعها حسب سياسات الدول يجعل منها خطرا اقتصاديا ما لم يتفق العالم على تحديدها بقواعد واضحة تمنع اخراجها عن الغرض الذي وجدت له ابتداء.

التعليق