هل هناك خيار أردني فعلا؟

تم نشره في الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

استخدم حزب العمل الإسرائيلي، بعد حرب حزيران 1967، مقولة الخيار الأردني كطريق وحيدة للتوصل الى حل في الضفة الغربية مع الأردن. وكان الرد الأردني رافضا بلغة واضحة؛ إذ اشترط المغفور له الملك الحسين لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، ضرورة إعادة الضفة الغربية والقدس الشرقية كاملتين إلى السيادة الأردنية، مع إمكانية إجراء تبادل أراض بسيط. هكذا كان فهم الملك الراحل للخيار الأردني آنذاك، وقد بقيت مقولة الخيار الأردني شعارا يرفعه حزب العمل في إطار التنافس السياسي الحزبي في إسرائيل، لا سيما أن الليكود لم يكن لديه أي تصور براغماتي للتعامل مع الأرض المحتلة.

بعد تبني الخيار الفلسطيني، الذي توّج بعملية أوسلو، حاولت بعض دوائر حزب الليكود التي كانت تتبنى مقولة أن "الأردن هو فلسطين"، الترويج لفكرة الخيار الأردني مرة أخرى، وذلك من أجل الالتفاف على عملية أوسلو وحرمان الفلسطينيين من حقهم في إقامة دولة مستقلة خاصة بهم. وبعد أن أخفقت كل هذه الشعارات في أن تترجم لسياسة، أصبحت الغالبية الاسرائيلية تؤيد خيار الدولة الفلسطينية، مع اختلاف وتباين شديدين حول حدود وطبيعة هذه الدولة المنتظرة.

بعض التسريبات في الصحف العبرية تتحدث عن تفكير جدي داخل مكتب رئيس الوزراء وتفضيل لأن يلعب الأردن دورا بارزا في الضفة الغربية؛ بمعنى آخر، تفضيل عودة شكل معين من الخيار الأردني. وتقول أميره أورون، المتحدثة بإسم وزارة الخارجية الاسرائيلية: "إن للأردن مصالح كثيرة في الضفة الغربية، واسرائيل (في إشارة واضحة إلى الأردن) ستأخذ بعين الاعتبار مصالح دول في الاقليم".

بطبيعة الحال، تفقد هذه التصريحات أهميتها مع تعبير الأردن بشكل واضح عن خياره السياسي والاستراتيجي، وفي ظل عجز إسرائيل الاستراتيجي عن إجبار الأردن على لعب دور في الضفة الغربية رغما عنه ووفقا للمقاييس الاسرائيلية. ووجود مصالح للأردن في مفاوضات الوضع النهائي لا تعني على الاطلاق رغبة الأردن في ضم الضفة الغربية كإقليم متحد فيداراليا مع الأردن؛ فالوضع الأردني برمته تغير بعد وفاة الملك الحسين، بل وحتى في العقد الأخير الذي سبق وفاته. وقد أدرك الأردن أنه لا يمكن التوفيق بين هدفه في منع ضم الليكود للضفة الغربية وهدفه في منع إقامة دولة فلسطينية. ولهذا السبب، قام الملك الحسين بدعم خيار الدولة الفلسطينية، وإن أراد أن يكون للأردن رأي في قضايا الوضع النهائي.

الوضع في الواقع ينم عن مأزق اسرائيلي ناتج عن عدم قدرة اسرائيل على تفهم أن الاردن ليس له أطماع في الضفة الغربية، وأنه من المستبعد بالتالي أن يقوم بدور امني هناك ضد رغبة الفلسطينيين، أو أن يوافق على اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي مع الضفة الغربية قبل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وإبرامها معاهدة سلام نهائية مع إسرائيل. وعندما كان شارون وزيرا للبنى التحتية في حكومة نتنياهو، التقى ولي العهد الأردني آنذاك الأمير الحسن، وقد أوضح هذا الأخير أن الأردن يريد أن تكون حدوده مع الدولة الفلسطينية وليس مع اسرائيل. وقد ذهب بعد ذلك شارون يتحدث عن أنه من الأفضل للأردن ان لا تكون له حدود مع الفلسطينيين، بما يبدو أقرب إلى الفكر الكولونيالي القادر على التعرف على المصالح الأردنية أكثر من الأردنيين أنفسهم!

وهناك دوائر اسرائيلية لازالت تعتقد أن الأردن لا يريد في الحقيقة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويسوقون لإثبات ذلك حججا واهية لم يعد لها اعتبار لدى صانع القرار الأردني. وكما نعرف، فقد بين الأردن لاسرائيل أن مصلحته الوطنية العليا تتطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومحاذية للأردن. وقد أثبت الأردن صدقية في هذا التوجه عندما قاد حملة شرسة على الجدار العازل في الضفة الغربية، لما له من مخاطر على الأمن الوطني الأردني.

وحتى يستطيع الأردن مقاومة إغراء "الدور الأردني"، أو حتى مقاومة ضغوط مستقبلية للعب دور على حساب الفلسطينيين، فهو بحاجة ماسة الى مساعدة الفلسطينيين. إذ لا ينبغي ترك الأردن وحده في مواجهة فكرة الخيار الأردني التي قد تطرح في المستقبل في حال الحديث عن إخفاق الفلسطينيين في الإرتقاء إلى مستوى المسؤولية. فالإخفاق الفلسطيني الحالي في الحكم، والفلتان الأمني الذي تغذيه اسرائيل كثيرا، هما مدعاة للقلق أردنيا، وربما من المستحسن أن يكون هناك حوارات جادة مع الجانب الفلسطيني، بشقيه الرسمي وغير الرسمي، من أجل مساعدته على إبراز شريك سلام حقيقي. وقد نتجادل طويلا بشأن هذه النقطة بالتحديد، لكن المهم أن الصورة الشائعة للقيادة الفلسطينية الحالية (التي تتميز بقدر عال من الفهم والذكاء) على المستوى الدولي، وبصرف النظر عن مصداقيتها، هي أنها قيادة تتسم بالضعف والتردد وعدم القدرة على حزم أمورها. وبالتالي، لا يمكن وضع اسرائيل في الزاوية ومحاصرتها إن لم نتمكن من ابراز شريك فلسطيني واضح وقوي، ولديه القدرة على العمل بتفويض شعبي واضح.

بناء على ذلك، تبقى قضية التصرف بالأرض المحتلة مأزقا إسرائيليا بامتياز، ويمكن القول انه من المستبعد أن يكون هناك إمكانية لترجمة خيار أردني على ارض الواقع إذا ما تمكن الفلسطينيون من التنبه إلى مثل هذا الوضع، وساعدوا الأردن على مقاومة ضغوط مستقبلية. 

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

hassan.barari@alghad.jo

التعليق