سجال"اليمين" و"اليسار" الغربيين: انتصار الماويّة

تم نشره في الثلاثاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

كانت الماوية معروفة، بين أمور أخرى كثيرة، بالتركيز على"التناقض الاساسي". فحسب المحاضرات التي ألقاها ماو تسي تونغ في الكوادر الحزبية إبان العمل الثوري، ثم جمعها في كراس حملت عنوان "أربع مقالات فلسفية"، قال الزعيم الصيني ان الثوريين يواجهون دائماً تناقضاً أساسياً واحداً في وقت من الأوقات. وفقط بعد حلّ التناقض هذا يمكن التعامل مع تناقض آخر كان من قبل "ثانوياً" لكنه صار، بعد ذاك، رئيسياً.

وهي نظرة بسيطة جداً الى السياسة، وطبعاً الى الفلسفة (وقد صار ماو بسببها فيلسوفاً، فضلاً عن كونه شاعراً ومنظّراً استراتيجياً وقائداً للشعوب!). ففكرة التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية تقوم على تقسيم مفتعل بين شؤون الحياة المتداخلة والمعقدة، كما أنها نوع من"تطوير" للحِكَم الفلاحية البدائية والمضجرة التي تعرفها المجتمعات جميعاً، والتي تركّز، مثلاً، على الفارق بين"الأهم" و"المهم"، أو بين"عمل اليوم" الذي ينبغي عدم تأجيله، بل ينبغي انجازه قبل ان يحل"عمل الغد"، وهكذا دواليك...

اما البشر، والمجتمعات كذلك، فتفترضهم هذه النظرة بسطاءً مثلها، كما لو ان الفرد لا يستطيع ان يمشي ويفكر ويدخّن سيجارة في وقت واحد. فهو عليه ان ينجز "المهام" المذكورة واحدةً بعد الأخرى تبعاً لدرجة أهميتها. وبالطبع، يفوت القائلين بآراء كتلك أن كثيرين لا يستطيعون أن يفكروا الا حين يدخّنون، أو حين يمشون ويتأملون، على ما كان يفعل الرواقيّون القدامى.

والبائس حالياً ان الماوية التي تراجعت الى حد بعيد في الصين، واختفت تماماً من المشهد الاقتصادي هناك، تحقق انتصاراً بعد آخر على جبهة الفكر السياسي العالمي. وهذا، على الأقل، ما نراه حين نتابع السجال، المعلن حيناً والضمني أحياناً، بين"اليمين" و"اليسار" الغربيين. فالانحصار في موضوع واحد "أساسي" هو ما يتميز به اليوم كل من الطرفين، بحيث لا يستطيع أي منهما التعاطي، في الوقت نفسه، مع مواضيع اخرى.

ففي "اليمين"، هناك عنوان واحد هو "الارهاب". وبسبب الارهاب لم يعد ثمة مجال للكلام عن الفقر والمرض والبيئة وغير ذلك. لقد حصل تلخيص بسيط لشؤون العالم يحمل الولايات المتحدة (كرملين اليمين الكوني) على رفض معاهدة كيوتو، ووضع شروط ايديولوجية لمساعدة المصابين بالإيدز(الامتناع الجنسي)، والتقليص أكثر فأكثر لتلك النسبة الهزيلة من المساعدات التي يجب تقديمها للبلدان الفقيرة (نسبة 0.7 في المئة من اجمالي الناتج الوطني للبلدان الغنية).

ومثلما كان التناقض الرئيسي يستوجب، تبعاً للماويّة، دواءً ثورياً، فإن الارهاب يستوجب، من وجهة نظر واشنطن، المداواة بالديموقراطية، بغض النظر عن الشروط التاريخية والثقافية المتباينة بين مجتمع وآخر.

وفي"اليسار"، هناك عنوان واحد هو مناهضة اميركا. وهذه المناهضة قد تؤدي الى التعاطف مع ارهابيين، أو على الأقل غض النظر عنهم واعتبار الصراع معهم "تناقضاً ثانوياً". وبطبيعة الحال، يصير من الدارج الانفتاح الحنون على كل "ثقافات" الشعوب وعاداتها بما فيها تلك الأشد تخلفاً بذريعة "القمع الامبريالي" لها. ويتحول اليساري الى راهبة أو ممرضة حيال عذابات الشعوب التي تحدثها العولمة، كأن الراحل الكبير كارل ماركس لم يقل(وهو قال ذلك الف مرة) ان دمار الاقتصاد الزراعي المنكفئ - رغم الآلام الانسانية الكبرى التي تترتب عليه - هو شرط الانتقال من الإقطاع الى الرأسمالية.

ما لاشك فيه ان انتصار الماوية هذا نتيجة مباشرة لهزيمة الوعي الكوني وصعود الهويات الموضعية مصحوبةً بانتصار النيوليبرالية منذ الثمانينيات الريغانية - التاتشرية. فقد حصلت ردة ضد التنوير وضد الدولة في وقت واحد، إذ صعدت الى الواجهة الطوائف والعشائر والولاءات الدينية والمحلية مثلما صعدت، من الناحية الأخرى، الرساميل العابرة للحدود من دون أي تحفظات أو قوانين. وغني عن القول ان اعتصار الدولة بين هذين القطبين، السابق عليها(الهويات) واللاحق لها(الرساميل)، كان ولا يزال ينطوي على إضعاف العقل بموجب المماثلة الهيغلية بين الدولة والعقل. وهو تطور رافقه تراجع في البنى والمؤسسات والتحالفات التقدمية والعقلانية، ربما كان أوّله ذلك الانهيار الذي تعرض له التحالف الديموقراطي بين السود واليهود في الولايات المتحدة. وقد بتنا الآن نرى الآراء الأحادية الجانب تهب علينا من كل اتجاه: فهناك من يدين اللاسامية وحدها ويغض النظر عن الارتكابات التي يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني. وهناك من يدين العنصرية حين يكون العرب والمسلمون ضحاياها لكن اللاسامية والعنصرية حيال اليهود آخر ما يعنيه. وهناك من يؤيد الأميركيين في العراق ولا يستوقفه أبو غريب، ويؤيدهم في أفغانستان ولا يستوقفه غوانتانامو. لكن هناك أيضاً من يؤيد"المقاومة" العراقية ولا يستوقفه الزرقاوي. وليس من الصعب اكتشاف اللقاء بين الطرفين المتساجلين عند تغليب الرمزي على الفعلي: فأغلب المؤيدين للحجاب في فرنسا مثلاً يتفقون مع أغلب معارضيه عند تجنب مسائل البطالة والتعليم وقصر النقاش على الشق "الثقافي" من الموضوع. وحين تواجهنا مسألة العولمة، يبدو مدهشاً أن خصومها لا يلاحظون التقدم الذي حققته الهند بسببها، كما لا يلاحظون أن نظام "الكاست" المغلق يضر الهند أكثر مما تضرّها العولمة. بيد أننا، في الوقت نفسه، نقع عند الأنصار المطلقين للعولمة على صمت مُريب حيال السياسات الزراعية الأميركية والأوروبية التي يموت بسببها مئات آلاف المزارعين الأفارقة.

لقد أحلّ هؤلاء جميعاً مبدأ العداء المطلق للآخر محل ثقافة التنوير التي تعلمنا اننا انسانية واحدة في آخر المطاف، وان مسائل هذه الانسانية اكثر تعقيداً مما توحي به الماويات على أنواعها.

 كاتب لبناني مقيم في لندن

التعليق