محمد أبو رمان

السنة العراقيون والاستحقاق القادم

تم نشره في الأربعاء 19 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

على الرغم من التقارير الإخبارية التي تتحدّث عن تصويت مكثف من قبل العرب السنة على مسودة الدستور بـ"لا". إلا أن قدرة السنة على إسقاط الدستور سياسيا في ضوء الشروط المطلوبة يبدو من الصعوبة بمكان. لكن هذا لا ينفي من ناحية أخرى حدوث تطور كبير على الموقف السياسي السني أهم ما فيه اختراق الإجماع الذي كان قائما والرافض للعملية السياسية.

   من الواضح أنّ العديد من الهيئات السنية الدينية والعشائرية استطاعت حشد نسبة كبيرة من المجتمع السني للتصويت بـ "لا" على المسودة. بينما ما زالت العديد من الفصائل المسلّحة تحتفظ بإصرارها على مقاطعة التصويت مبدئيا. في المقابل فإنّ الاختراق الأكبر للموقف السني الرافض للمشاركة أحدثه الحزب الإسلامي بإعلانه القبول بمسودة الدستور شريطة إجراء تعديلات لاحقة عليها، وهو الموقف الذي أيده "الوقف الإسلامي".

   لكن الحزب تعرّض بسبب ذلك إلى انتقادات واسعة وصلت إلى حد الاعتداء المسلح على بعض فروعه، ولم يسلم من أقلام العديد من الكتاب والمثقفين العرب الذين انتقدوا موقفه الأخير واعتبروه مخيبا للآمال، في حين وصل البعض إلى اعتباره متواطئا مع الاحتلال!

   وبعيدا عن لغة الإدانات والاتهامات فإن موقف الحزب الإسلامي يطرح سؤالا موضوعيا ومحوريا حول خيارات العرب السنة واستحقاقات المرحلة القادمة؛ هل هي في الاستمرار بموقف المقاطعة السياسية واستئناف المقاومة المسلحة والسلمية أم الاندماج في العملية السياسية؟

   الجواب على هذا السؤال يتطلب العودة إلى تفسير موقف السنة الرافض للعملية السياسية فهو يتأسس على جملة من الأسباب والمبررات؛ منها ما هو طائفي مرتبط بمصالح السنة والقلق من المرحلة القادمة وتداعياتها على مستقبلهم ودورهم السياسي، ومنها ما هو رد عملي على الاحتلال وسياساته التي شعر السنة خلالها بحالة من التهميش والمعاداة فتأججت حالة الغضب والثورة داخل المجتمع السني، وأخيرا هناك الموقف الوطني- التاريخي من الاحتلال أولا ومن السياسة الأميركية تجاه العرب والمسلمين ثانيا. وقد عبّر السنة عن موقفهم ذلك بدعم "العمل المسلّح" من ناحية والمقاومة السلمية من ناحية أخرى.

    في المقابل اتخذ كل من الشيعة والأكراد - في أغلبيتهم- موقفا مسايرا للاحتلال واندمجوا في العملية السياسية وأدّى ذلك إلى حالة أقرب إلى الاستفراد والمقايضة بين كل من الشيعة والأكراد في تقرير طبيعة النظام السياسي القادم، بما يكفل مصلحة كلا الطرفين. وكان من الطبيعي أن يكون السنة هم الطرف الوحيد المعارض لمسودة الدستور المنبثقة من المجلس الوطني الحالي، وأن يبقوا وحدهم خارج العملية السياسية.

   قد لا يكون للسنة اعتراض على أغلب مواد الدستور، وإنما على بعض المواد التي يمكن التفاوض حولها ولا تشكل مأزقا حقيقيا. لكن جوهر الاعتراض السني يتمثل بالتخوف من المرحلة السياسية القادمة بأسرها. فالسنة الذين حكموا العراق أمدا طويلا من الدهر يصعب عليهم حاليا تصور أنهم سيفقدون الحكم والسلطة والنفوذ، وأنهم سيتحولون إلى أقلية داخل العراق.

   من جهة أخرى فإن الرسائل الملتقطة من الأطراف الرئيسة الأخرى - الشيعة والأكراد- لا توحي بأن تفكيرهم يقوم على أساس ديمقراطي وطني يتجاوز النزعات الطائفية والعرقية، بل على النقيض من ذلك هناك تكريس لهذه النزعات على قاعدة أن على السنة أن يدفعوا ثمن المرحلة السابقة، والعمل على إضعاف نفوذهم ودورهم السياسي القادم.

   ما سبق يقودنا إلى الخيارات المتاحة أمام السنة بعد إقرار مسودة الدستور وإجراء الانتخابات لاختيار مجلس وطني جديد. فلو كان الوضع في العراق طبيعيا ومشابها لتجربة الشعوب العربية في عهد الاستعمار لكان الخيار الرئيس بلا نقاش هو الاستمرار في العمل المسلح والمقاومة المدنية السلمية إلى حين زوال الاحتلال وهذا ليس موقفا شرعيا- تاريخيا فحسب وإنما موقف إنساني صحيح لا غبار عليه. وهو الموقف الذي قرأناه في ثورة عام 1920 ضد الانجليز والتي جمعت العراقيين بشتى مذاهبهم وطوائفهم وأعراقهم وفي مقدمتهم مراجع الشيعة آنذاك. لكن الحالة العراقية اليوم مختلفة تماما "استثنائية" تتطلب قراءة موضوعية وعقلانية، وهو ما يطرح السؤال حول أيهما أخطر على مستقبل العراق: الاحتلال الأميركي أم الحالة الداخلية المتفجرة؟ القراءة الموضوعية تكشف بوضوح أن هناك خللا كبيرا في الوضع الداخلي هو الذي مهّد للاحتلال بسهولة وهو الذي قد يجر العراق إلى كارثة حقيقية في أي لحظة، والاحتلال له شروطه ومصالحه ولن يبقى في العراق، ومقاومته ممكنة بالعديد من الوسائل والأدوات، ولو كان هناك إجماع حول المقاومة لما استطاع الاحتلال البقاء في العراق إلى هذه الفترة.

   المعضلة الأخطر لا تكمن في الاحتلال بل بين العراقيين أنفسهم والتعامل معها ليس له إلا بديلان؛ الأول أن يحتكم الجميع إلى السلاح ومنطق الإبادة والحرب الأهلية والمصير هو - بلا شك- تمزيق العراق إلى دويلات متحاربة متصارعة. والثاني هو بناء تقاليد للحوار والتواصل بعد عقود من الانقطاع تحت وطأة الحكم الشمولي، وهذا الحوار ليس له طريق اليوم سوى العملية السياسية القائمة، ووحدها يمكن تجنب العراقيين والمنطقة السيناريو الأسوأ وهي التي ستدفع الأطراف المختلفة إلى تنازلات متبادلة وتمهد مستقبلا لبناء "جماعة وطنية" تتجاوز المشروع الطائفي والعرقي الذي يدمر النسيج الديني والثقافي والاجتماعي في العراق.     

   يمكن تفهم الخوف السني المحق. لكن الهاجس الأكبر اليوم هو ليس فقط على مستقبل السنة بل على مستقبل العراق ووحدته، وهذا الاحتمال ليس ببعيد؛ فتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات بدأ يتردد صداه بقوة لدى أوساط سياسية وثقافية أميركية فضلا عن الأصوات الشيعية والكردية. وكان أول من بشّر به هنري كسنجر.

   وأخيرا نشر شلومو أفنيري (الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس) مقالا بعنوان "العراق المفتت" دافع فيه عن فكرة إقامة ثلاث دول مستقلة بدلا من دولة واحدة وهي ذات الفكرة التي لمّح إليها توماس فريدمان وغيره من الكتاب الأميركيين.

   من خلال القراءة السابقة، فإنّ على الذين يعارضون ويرفضون موقف الحزب الإسلامي (المشاركة في العملية السياسية) أن يقدموا لنا بدائل مقنعة وعقلانية. لكن بشرط ألا يدفع السنة العراقيون والعراق من بعدهم ثمن معارك تخاض بالوكالة عن آخرين!

   يكفي العراق هدرا ودماءً، من حق الإنسان العراقي أن ينفض غبار الماضي ويبني مستقبله بعقلانية.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق