منار الرشواني

تيسير علوني ومسؤولية المعايير المزدوجة!

تم نشره في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

مؤثرة وبليغة إلى ابعد الحدود تلك الرسالة التي وجهها إلينا الزميل تيسير علوني من سجنه في إسبانيا. إذ بقدر ما حملته الرسالة من شموخ وإيمان وثبات، فهي أيضا تجعلنا -من حيث شئنا أم أبينا- نقف شهودا عاجزين على إدانة أقل ما يقال فيها إنها إدانة مختلقة في زمن رسالة العولمة، التي يراد لنا، ونريد نحن قبل محاججينا الغربيين، أن نصدق أنها بقدر ما تقوم على الكلاسيكية الاقتصادية الجديدة القاسية أو المتوحشة والمتخفية بشعار "اقتصاد السوق"، فإنها تقوم أيضا على عالمية حقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية، التي باتت آخر ذرائع احتلالنا، وبما يعيد انتاج مهمة الرجل الابيض للقرن الحادي والعشرين.

قصة تيسير علوني، منذ بدايتها وحتى ما قبل نهايتها، إذ مازال لدينا إجراءات استئناف في اسبانيا وصولا إلى المحكمة الاوروبية لحقوق الإنسان إن اقتضى الأمر، هذه القصة هي فصل واحد من فصول المأساة التي يتوجب علينا، عربا ومسلمين، أن نحياها على الأقل منذ بدء ما يسمى "الحرب على الإرهاب"، ولربما كانت هي أقل هذه الفصول قسوة وبشاعة، والتي تصل ذروتها بأوضاع المعتقلين في أقفاص غوانتنامو، مرورا بقضية ماهر عرار وغيره من عرب ومسلمين تم، ولربما مازال يتم، خطفهم في إيطاليا والولايات المتحدة والبوسنة والهرسك وغيرها، باعتبارهم "مدانين حتى تثبت إدانتهم"، هذا إن بقوا أحياء وكانوا من ذوي الحظوة لينالوا محاكمة من أي نوع، ولو على نمط تلك التي تم ترتيبها لتيسير علوني.

لكن لقصة الزميل تيسير علوني وجه أو بعد آخر يستدعي منا كثيرا من التوقف والتأمل. فعلوني يدين، وعن حق، القضاء الإسباني الذي أصر على اعتباره "إرهابيا" و"مجرما" بالاستناد "إلى استنتاجات وليس إلى أدلة"، ضاربا عرض الحائط بأبسط مبادئ القانون الجنائي في العالم أجمع، والتي يبدو أولها وأكثرها بداهة أن "الشك يفسر لصالح المتهم"، و"أن يكون هناك مائة مذنب أو مجرم طليق ولا أن يوجد بريء واحد يقبع خلف قضبان السجون"، فكيف إذا ما تمت إدانته بطريقة أو أخرى! هذا مع أن علوني لم يبق حتى للشك موضعا. لكن علوني حين يكتب: "أنا أحتقر هذا الحكم لأنه سياسي، وأحتقر معه القوانين والمحاكم الاستثنائية في كل مكان"، فهو يؤكد أن الوصول مباشرة إلى نهاية السلسلة أو المتوالية ممثلة بإسبانيا كمسؤول مباشر وعلني عن إدانته ظلما، يعني تبرئة أطراف واشخاص كثر، يعتبرون في الواقع المسؤولين الأوائل، والذي أخذوا على عاتقهم مهمة تعبيد الطريق لهكذا إدانة ظالمة، ولكثير قبلها ولربما بعدها في أوروبا والولايات المتحدة والغرب أجمع.

علوني مواطن غربي (إسباني) بحكم جنسيته، كما كثير غيره من المدانين سلفا و"دون محاكمة" في الحرب على الإرهاب، وهو لذلك مصيب تماما حين يشير إلى أنه متهم ومدان بعروبته وإسلامه، بما يجعله مواطنا من درجة غير محددة -لا ندري حتى إن كانت كافية لحفظ إنسانيته التي أنكر عليه ما تستتبعه من حقوق- مقارنة بالإسبان والغربيين ذوي المواطنة من الدرجة الأولى. لكن الحقيقة أنه لا القاعدة ولابن لادن أو الزرقاوي، ومهما طالت قائمة الاسماء والأفعال المنسوبة إليهم شكا أو يقينا، تكفي لجعل الإسلام والعروبة تلبسا بالجرم المشهود، كما أنه لا يمكن أن نقبل بالعداء الغربي في أعلى درجات عنصريته، وفي أي وقت من الأوقات، عاملا كافيا بحد ذاته أو مضافا إلى ما سبق في تفسير المعايير المزدوجة التي هي المحور هنا. القصة تبدأ من مكان آخر، وعند أشخاص مختلفين تماما، إنها تبدأ من العالم العربي والإسلامي، ويتحمل مسؤوليتها مثقفون وفقهاء عرب ومسلمون، ناهيك عن أنظمة عربية.

تبدأ من العالم العربي والإسلامي، لأن تيسير علوني صحافي عربي يعمل في مؤسسة إعلامية عربية، فيما العالم العربي كله -مع استثناء نادر هنا أو هناك- يظل أكثر النماذج العالمية سوداوية على حرية الصحافة! وهكذا، فلم لا يكون من الممكن محاكمة علوني ومؤسسته في اسبانيا وفق القانون أو العرف العربي، الذي يسمح بجعل أي مهنية تهمة كافية بحد ذاتها، لا للإدانة عبر المحكمة بالضرورة، بل واللجوء إن أمكن إلى وسيلة أكثر نجاعة، لا تثير الكثير من الجدل بقدر ما تثير الرعب والعبرة لشعوب وأجيال بأكملها!

وربطا مع سبق، فإن قصة المعايير المزدوجة في قضية تيسير علوني يتحمل مسؤوليتها مثقفون وفقهاء عرب ومسلمون منذ عقود طوال، وذلك حين أبدعوا في تأصيل "الخصوصية" العربية والإسلامية تحت زيف دعاوى تأصيل "حقوق الإنسان"، الأمر الذي سمح بأن نكون كائنات بشرية لا تحمل صفة إنسان يستحق حقوقا وكرامة.

فدعاوى الخصوصية "والتأصيل" العربي والإسلامي لم تفض إلى خسران تطبيق المواثيق العالمية لحقوق الإنسان في البلدان العربية فحسب، بذريعة أن هذه المواثيق إنما هي تعبير عن الثقافة والقيم الغربية، بل إنها غدت مدخلاً للغرب لتبنيه معايير مزدوجة تبرر انتهاكات حقوق الإنسان العربي، من خلال تصويرنا كأمة ترفض مفاهيم حقوق الإنسان (وكذلك الديمقراطية). النماذج والأمثلة الحية على الانتهاك الجماعي لحقوق الإنسان العربي تحت ذريعة الخصوصية -من قبل الغرب والولايات المتحدة تحديدا عبر إسرائيل أم من قبل أنظمة حاكمة عربية "وطنية"- أكثر من أن تعد، وأوضح من أن يشار إليها بالبنان، لكن ما يحسب للحرب على الإرهاب، أنها جعلت من مثل هذا الانتهاك قابلا للتطبيق بشكل شخصي بحكم الدين والثقافة والحجاب ولربما لون البشرة، ولم يعد يحمينا أن نحمل جنسية هذه الدولة أو تلك من التي تتغنى بحقوق الإنسان على ترابها على الأقل، فالمواطنة لم تعد صنو الجنسية، أو أنها تأتي على درجات.

أن يكون تيسير علوني رهين المحبسين، السجن والمرض، مضافا إليهما الشعور بقهر المظلوم، فهذا وزر نحمل مسؤوليته جميعا. ونحن إذ ندين إسبانيا، فإننا ندين معها كل الذين سمحوا لها ولغيرها بتقديمنا على مذبح نصر موهوم للرئيس جورج بوش، وأن نكون وقود محرقته أو مهمته كرجل أبيض لإضاءة شعلة "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان" بالمواصفات الاصولية الأميركية! مع إسبانيا، ندين كل مفكري وفقهاء الخصوصية العربية والإسلامية التي تجعلنا أقل من بشر، ليس لسبب إلا لخدمة مصالح أقلية قررت أنها الوحيدة الجديرة بالحياة على حساب شعوبها، في غير بلد عربي.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق