جدية التعامل مع حماس!

تم نشره في الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 03:00 صباحاً

يكثر الحديث هذه الأيام عن ضرورة تحجيم أو لجم -إن صح التعبير- حركة حماس التي تعتقد، ومعها أنصارها من أبناء الشعب الفلسطيني، بأنها دحرت الاحتلال من قطاع غزة. ودون شك، فإن تزايد قوة حماس في الأشهر الأخيرة هو نتيجة الانطباع بنجاعة تكتيكات حماس، التي اعتمدت العنف أو المقاومة المسلحة للاحتلال الاسرائيلي.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تحجيم حماس؟! يقترح نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي والحائز على جائزة نوبل للسلام، شمعون بيريز، بأن تشرع اسرائيل بمواجهة لا هوادة فيها مع حماس، على ان تقوم الحكومة الاسرائيلية بمساعدة ابو مازن دون تردد!

يستغرب الواحد منا هذه التصريحات، ولا نعرف صدقية النوايا خلفها. طبعا، لا يختلف اثنان بشأن دهاء وقدرة بيريز في التحليل والتعاطي مع أمور سياسية في غاية التعقيد، بيد أن تقوية ابو مازن لا يمكن لها ان تتم في مواجهة حماس بأساليب تقليدية عسكرية، بل بأسلوب سياسي يعتمد على ما يسمى "سياسة التضمين" (The Politics of Inclusion)، من أجل حمل حماس على المشاركة في مسؤولية الادارة بدلا من إعفائها من الاجابة عن مشاكل الحكم، الأمر الذي يزيد من شعبية حماس على حساب فتح والسلطة. بيد أنه تبدو هنا الذريعة نفسها، وهي ان حماس فصيل مسلح لا يريد للعملية السلمية أن تستأنف، ولهذا السبب يجب إضعاف حماس ومنعها من المشاركة في الانتخابات القادمة.

ثمة سوء فهم واضح مفاده أن العنف متجذر في فكر حماس، وهذا ما يحتاج الى مراجعة حقيقية، الأمر الذي اكد عليه مؤتمر عقد منتصف هذا الاسبوع في عمان حول الاسلام السياسي، نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية ومنتدى النزاع في لندن، وشارك فيه خبراء ومختصون من دول العالم المختلفة. وقد قدمت إحدى الأوراق عن حركة حماس من قبل الدكتور جيرن غننغ من جامعة ويلز، والذي كان كتب اطروحته عن الحركة. وقد قدم غننغ تصورات عديدة عن كيفية التعامل مع حماس، منها تلك التي نعرفها جيدا، والمتمثلة في ضرورة إشراك الحركة في الانتخابات والعملية السياسية الفلسطينية. 

ذريعة تبني العنف بحاجة الى توضيح؛ فالعنف ليس متأصلا في أيديولوجية حماس التي لا يمكن ان تقارن بالقاعدة أو التيارات الجهادية السلفية، إذ إن الفكر السياسي للحركة هو فكر سائد في حركة الاخوان المسلمين المعتدلة. وبالتالي، لا يمكن اعتبار حماس حركة متطرفة وهي بالاساس حركة مقاومة للاحتلال -وإن كنا نختلف سياسيا وأخلاقيا مع استهدافها المدنيين- إذ بدون شك فان العنف هو بسبب الاحتلال الاسرائيلي، وإذا ما رحل الاحتلال فلن يبقى هناك ذريعة لحركة حماس لاستخدام العنف. كما أنه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تنوع قاعدة حماس، فإن التعامل معها سيكون اسهل.

هذا هو منطق حماس الذي يتوجب على المراقبين فهمه جيدا إن أرادوا التعامل بشكل جدي مع حماس. وبهذا المعنى، فان دعوات حرمان حماس من المشاركة السياسية لها محاذير كثيرة. أولا، سيتم تقويض شرعية السلطة الفلسطينية التي هي بأمس الحاجة الى مشاركة القوى الفلسطينية كافة في العملية السياسية. إذ لن يشعر أبو مازن او غيره بانه يمتلك تفويضا للمضي قدما في عملية السلام، وبخاصة إذا ما رأى ضرورة تقديم بعض التنازلات.

الأمر الآخر والأكثر أهمية، هو ان هناك إمكانية لبروز نوع من التسلطية في الحكم الفلسطيني، الامر الذي سيؤدي الى إضعاف اداء السلطة الفلسطينية، ولا سيما في حال استئناف عملية السلام والمفاوضات على قضايا الوضع النهائي. وأي نظام لا توجد فيه توازنات سياسية ستكون الحكومة فيه على درجة من الضعف في التعامل مع العالم الخارجي، كما ستكون في نفس الوقت اكثر قمعا للحريات العامة.

هناك بعد آخر، وهو أن اقصاء حماس من اللعبة السياسية سيعمل على خلق مصلحة فصائلية لحماس في الاستمرار في لعب دور المخرب لعملية السلام. فدور حماس في تعزيز التهدئة ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه.

وتبقى عملية احتواء حماس في مبنى سياسي علماني مكسبا كبيرا للحركة الوطنية الفلسطينية التي يجب ان تستمر في تعدديتها. وهذا الاحتواء يلعب دور نزع الراديكالية عن الكثير من مواقف حماس.

يقودنا هذا التحليل الى التشكيك في نوايا شمعون بيريز الذي يفترض انه الصوت المنادي بسلام حقيقي على الجانب الاسرائيلي. ولا ينقص بيريز إدراك ما ذهبنا اليه في هذا المقال، لكن تبقى ضرورات البقاء في الحكم عاملا حاسما احيانا في اطلاق مثل هذه التصريحات المتهورة.

باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية-الجامعة الأردنية

hassan.barari@alghad.jo

التعليق