العراق: الرصاص وصناديق الاقتراع

تم نشره في السبت 8 تشرين الأول / أكتوبر 2005. 02:00 صباحاً

حين بدأت حرب العراق في العام 2003، كانت خطط إدارة بوش في غاية الطموح: فكما حدث مع اليابان وألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945، تصورت إدارة بوش احتلالاً سلمياً طويلاً للعراق، وأثناء ذلك الاحتلال كان من المفترض أن يدعم الإنتاج المكثف للنفط الرخاء المتصاعد، مع تشييد البنية الديمقراطية في العراق جزءاً بعد جزء. وكان من المفترض أن يكون أساس تلك البنية ليبرالياً متحرراً، بل ويستند أيضاً إلى دستور يتفق وما بعد الحداثة، ويشتمل على ضمان حصول النساء على 25% من مقاعد البرلمان.

    ولكن العراق كما نراه اليوم، لا ينعم بأي سلام ولا ازدهار. وربما يتضمن الدستور، الذي سيتم التصويت عليه في الخامس عشر من تشرين الأول الحالي، منح النساء 25% من مقاعد البرلمان، لكنه فيما عدا ذلك فإن هذا الدستور بعيد تمام البعد عن الليبرالية. ذلك أن المادة الأساسية من الدستور(الفقرة الثانية)، والتي تنص على عدم تعارض أي قانون مع "مبادئ العقيدة الإسلامية التي لا يداخلها الشك"، هي في واقع الأمر تخالف المبدأ الأساسي للسيادة البرلمانية، ومن شأنها بالتالي أن تمنع العملية التشريعية من الأداء وفقاً للمعايير الدولية.

    على سبيل المثال، ليس من الممكن تحديد سن الإدراك الجنسي بما يزيد على تسع سنوات،  وهذا يستتبع بالتالي اعتبار الفتيات اللاتي بلغن التاسعة من عمرهن بالغات في نظر القانون الجنائي، وعرضة لعقوبة الإعدام بتهمة التحول إلى دين آخر على سبيل المثال. وعلى نطاق أكثر اتساعاً، يستطيع الشيعة أن يستغلوا هذه المادة لوضع زعمائهم من "آيات الله" في مرتبة أعلى من مرتبة البرلمان كما يحدث في إيران، وذلك لأنهم هم وحدهم يملكون سلطة تحديد "قواعد" الإسلام.

    إن هذه المادة الإسلامية في الدستور تثير انزعاج المراقبين من الخارج وقليل من العراقيين الليبراليين، لكن المعارضة السنية واسعة النطاق للدستور تنصب على مواد أخرى من الدستور وليس هذه المادة؛ وعلى سبيل المثال، النص على استبعاد "حزب البعث الصدّامي" من المشاركة في الحياة السياسية والحكومة، والمادة الفيدرالية التي تضمن الحكم الذاتي للأقاليم العراقية الثمانية عشر وتسمح لها بالاتحاد في حكومات إقليمية.

    وتُـعَد مسألة استبعاد حزب البعث قضية شخصية بالنسبة للنخبة من جماعة السنة -بما في ذلك الآلاف من رجال الأعمال، والمهنيين، وحتى الفنانين- وذلك لأنهم كانوا جميعاً، مع قليل من الاستثناءات، من أعضاء حزب البعث. ومن الناحية النظرية، يمكن تفسير هذا الحظر الدستوري باعتباره ينطبق على المستقبل فقط، لكن إذا ما نظرنا إلى الممارسة الفعلية، فسوف نجد أن القواعد الإدارية يتم تطبيقها الآن، بحيث تستبعد من يطلق عليهم الأعضاء من ذوي "المناصب العليا" في حزب البعث من الالتحاق بأي شكل من أشكال الوظائف الحكومية، الأمر الذي يعني تأثر الآلاف بهذا الحظر.

    من المحتمل أن يقبل أهل السنة المواد الخاصة بالفيدرالية إذا ما تم تطبيقها على الأكراد فقط. وهم يدركون أن البديل لن يكون العودة إلى المركزية، بل انفصال الأقاليم الثلاثة التي يسكنها أغلبية من الأكراد، وهي دهوك وأربيل والسليمانية، بحيث تشكل دولة كردستانية مستقلة، لها خزانة مستقلة، وجيش مستقل(البشمرجة)، وتنفرد بإنتاج حقول كركوك من النفط، والتي تحتوي على ثاني أكبر احتياطي من النفط في العراق.

ويرفض السنة نفس الفيدرالية بالنسبة للشيعة، لأنهم ينظرون إليهم باعتبارهم إخوة عربا كانوا يقبلون حكم السنة على الدوام في الماضي، وسيفعلون نفس الشيء من جديد، ما لم تكن الحكومة لهم. هذا هو ما قد يسمح به الدستور الجديد، لأن الأقاليم ذات الأغلبية الشيعية في الجنوب -والتي تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطيات النفط العراقي- قد تؤسس حكومة إقليمية خاصة بها.

    وفقاً للأسلوب المعتاد في الشرق الأوسط، فإن زعماء السنة المحبطين، بسبب عدم موافقة الدستور لهواهم، يهددون الآن باللجوء إلى العنف. لكن الفيدرالية ليست هي السبب الذي يدفع السنة المؤمنين بتفوق جماعتهم، كما يدفع الإسلاميين إلى شن هجماتهم القاتلة. فالحقيقة أن معارضتهم أكثر جوهرية: فهم لا يقبلون بمبدأ حكم الأغلبية الديمقراطية، بل إنهم يسعون بدلاً من هذا إلى استعادة حكم الأقلية السنية. أما في نظر الإسلاميين، فالشيعة جميعاً يستحقون الموت على أية حال، لأنهم مرتدون.

    هناك من زعماء الشيعة، مثل مقتدى الصدر، من يعارضون الفيدرالية بكل شدة. وأغلب أتباع الصدر من غير المتعلمين، وهم أكثر الشيعة فقراً وأشدهم ميلاً إلى العنف، ويقطنون أحياء بغداد الفقيرة، ومنهم "ميليشيات المهدي" التي حاربت القوات الأميركية في العام 2004، مع أن القوات الأميركية كانت تحمي الشيعة من هجمات السنة.

    ونظراً إلى أن مقتدى الصدر هو رجل دين في ريعان شبابه، ويستمد سلطانه من أبيه الراحل الذي كان أحد "آيات الله" -وهو ذاته يحظى بشعبية كبيرة- فهو يلقى معارضة من قِـبَل "آيات الله" الذين ما زالوا على قيد الحياة، والذين يزدرون جهله وميله إلى العنف. وليس بوسع الصدر أن ينافسهم على صعيد السلطة الدينية، لذا فهو يتخذ موقفاً قومياً عربياً في مواجهتهم، وكثيراً مـا يُـذَكِّر بأن أعلـى المراجع الدينية الشيعية آية الله السيستاني هو في الأصل إيرانياً وليس عربياً. وعلى نحو مماثل، كثيراً ما يُـذَكِّر الصدر أتباعه بأن الحكماء الذين يترأسون المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وميليشيا "بدر" التابعة لهم، كانوا من المنفيين في إيران وكانوا يحصلون على معونات منها -كثيرون منهم حاربوا في صف إيران أثناء الحرب الطويلة المريرة بين إيران والعراق- إلى أن تحالفوا مع الأميركيين مرة أخرى.

    ويعارض الصدر الفيدرالية لأن حكومة إقليمية شيعية لابد وأن تدين بالطاعة والولاء للخصوم، وهم السيستاني وأعضاء المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، كما أنها لابد وأن تكون خاضعة للنفوذ الإيراني. ولكي يؤكد الصدر على رسالته هذه، فقد أرسل رجاله لشن هجمات على ميليشيا "بدر"، فنجح في بغداد حيث يكثر أتباع المهدي، لكنه فشل في النجف حيث يكرهه أهلها بعد الدمار الذي لحق بهم على يده في العام الماضي، إلى أن قتل رجاله على أيدي القوات الأميركية.

    لقد كان من السوء بمكان أن يلقى الصدر معاملة اللصوص؛ وتؤكد الحسابات السياسية البسيطة الآن أن الصدر سيكون الشخصية المحورية التي تقرر نتيجة التصويت على الدستور في شهر تشرين الأول الحالي. ولكي ينجح المعارضون في رفض الدستور، ويفرضون عقد انتخابات جديدة لاختيار جمعية دستورية، فإنهم يحتاجون إلى الحصول على أغلبية الثلثين في ثلاثة أقاليم على الأقل. ومن المرجح ألا يفوز السنة إلا في إقليمين فقط، ولكن إذا ما أمر الصدر أتباعه في الأحياء الفقيرة ببغداد بالتصويت بالرفض إلى جانب السنة من أهل بغداد، فقد يؤدي هذا إلى قلب موازين القوى لصالح معارضي الدستور ويؤكد هزيمته.

     الصدر سفاح سياسي، وهو بطبيعة الحال على استعداد لتغيير تحالفاته . ففي العام الماضي كان مطلوباً بتهمة القتل، أما الآن فهو يطالب بالاعتراف به كرجل دولة، كما يطالب بالمال، ويسعى إلى إهانة السيستاني والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، ضمنياً على الأقل. وقد يتلقى الصدر عروضاً، وربما بدأت المساومة بالفعل. لكن بعض رجال الشيعة الذين هاجمهم الصدر بالكلمات والرصاص، والذين يتبعهم الآلاف من الرجال، يرون أن الصدر لا يستحق سوى الرصاص رداً عليه.

إدوارد ن. لوتواك خبير استراتيجي ومستشار عسكري، وهو كبير زملاء بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن.

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

التعليق