منار الرشواني

إصلاح التعليم والكتاب الجامعي

تم نشره في الخميس 29 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

الجدل بشأن إصلاح التعليم في العالم العربي والإسلامي، والذي وصل حد الثورة التي يصطف فيها الفرقاء على طرفي نقيض، والتي أشعل شرارتها الأولى الدعوات الأميركية إلى هذا الإصلاح عقب أحداث الحادي عشر من ايلول 2001، هذا الجدل انصب اساسا على إصلاح التعليم الديني في العالمين العربي والإسلامي، بحيث اختزل هذا الإصلاح، من ثم، في تعديل أو تغيير مناهج التربية الدينية الإسلامية من ناحية مضمونها الذي قيل إنه يشجع على العنف أو يعزز الصور السلبية لأتباع الديانات الاخرى بين طلبة المدارس المسلمين.

لكن وبحجم الجدل حول الدعوة الاميركية، تظل البدهية التي لا خلاف بشأنها هي حاجة التعليم بجميع حقوله وميادينه، وعلى امتداد الوطن العربي، إلى الإصلاح، باعتبار ذلك مصلحة وطنية وقومية، بغض النظر عن مناسبة دفع هذا الملف إلى قمة سلم الاولويات، وأيا من كان وراء ذلك. لكن قطب الرحى في الحديث عن إصلاح التعليم في الوطن العربي يتمثل في الإجابة عن سؤال: ما هو المضمون الفعلي لإصلاح التعليم؟

إذا كانت الإجابة الدقيقة، كما نعتقد، هي إصلاح الذهنية والعقلية وطرائق التفكير، قبل أي تعديل أو تغيير في أية عناصر أخرى في العملية التعليمية، فإن السؤال الذي لا مفر منه تاليا هو: من أين يبدأ هكذا إصلاح؟

السؤال السابق ينطوي في الواقع على منحيين يفرضان إجابتين متكاملتين بالضرورة ولا غنى لأي منهما عن الأخرى: فعند أي مرحلة يبدأ إصلاح التعليم، هل يبدأ من التعليم المدرسي أم من التعليم الجامعي؟ وهل يكون إصلاح التعليم بتعديل المناهج وتطويرها، أم أن هذا الإصلاح، ومع الإقرار بحقيقة أنه عملية واسعة جدا، يقتضي الإنطلاق من نقطة أخرى؟

التركيز على مرحلة التعليم المدرسي يبدو منطقيا ومبررا في عملية الإصلاح باعتبار أن هذه المرحلة هي فترة التأسيس الحقيقي، وتشكيل الوعي لدى الأجيال القادمة، وهذا صحيح تماما. لكن محور الإصلاح في هذه المرحلة لا يبدو المناهج المدرسية في الواقع، وإنما هو المدرس. فعدم وجود مدرسين اكفاء ومؤهلين قادرين على التعامل مع مناهج يبدو أنها ستكون دائمة التطور بشكل غير مسبوق، عدم وجود أمثال هؤلاء سيجعل من اي تعديل أو تطوير في المناهج مسألة ترفيه أو حتى عبثية لن تؤتي أي ثمار على صعيد التطور المنتج وتعزيز مؤشرات التنمية. وفي المقابل، يبدو ممكنا القول في زمن تطور الاتصالات وشيوع الانترنت، لا سيما في بيئة منفتحة كالأردن، أن وجود مدرسين أكفاء هو عامل حاسم لجسر اي فجوة معرفية حتى في ظل مناهج لم يقدر لها أن تواكب مسيرة التطور العلمي المتسارع، وذلك من خلال خلق وصقل عقلية الطالب في اتجاه يجعله قادرا على تقبل واستيعاب أي جديد لم يقدر له الاطلاع عليه في مرحلة سابقة.

بناء على ذلك، وطالما أن المدرس هو محور إصلاح التعليم، يبدو صحيحا تماما القول إن اي إصلاح فعلي وذي مغزى على هذا الصعيد في الوطن العربي، وضمنه الأردن بالضرورة، يبدأ في هذه الحقبة من مرحلة التعليم العالي بمستوياته مختلفة، حيث يتم البناء والتأهيل الحقيقيين للمدرسين.

إصلاح التعليم العالي متعدد الابعاد والجوانب، لكن الجانب غير المنظور بالرغم من كونه شديد الخطورة، والذي يستدعي التوقف عنده هنا يتمثل في ظاهرة ما يسمى "الكتاب الجامعي" أو حتى "الدوسيه الجامعية". وخطورة الكتاب الجامعي الشائع لدينا، لا سيما في كليات العلوم الإنسانية-الاجتماعية، قد تتأتى ابتداء من قصر المعرفة والآراء والمواقف المختلفة بشأنها على وجهة نظر واحدة، أو في أحسن الظروف بحدود مستوى وأفق المؤلف. لكن هذه الناحية من الخطورة قد لا تغدو شيئا مهما إذا ما أخذنا الناحية الثانية بعين الاعتبار، والمتمثلة في أن جزءا غير يسير، إن لم تكن الغالبية العظمى، من الكتب أو الدوسيات الجامعية المنتشرة بين طلبتنا إنما تم تأليفها بدوافع مادية بحتة، بحيث يغدو الطالب مضطرا لشرائها في حال كانت من مؤلفات مدرس المادة، بغض النظر عن مضمونها العلمي ومستواه، والذي يمكن لنا تقديره بالنظر إلى الدوافع. أما النتيجة النهائية للكتاب الجامعي "المقرر" أو "الدوسيه المقررة" فستكون دائما – وإضافة إلى تلقي "علم" مشوه مقطع الأوصال- الإلغاء شبه التام لروح البحث والتقصي والمقابلة بين وجهات النظر المختلفة، وتحول المكتبة إلى مبنى آخر مجهول ضمن مبان جامعية لم نحتج إليها في سنوات دراستنا المديدة! كما تغدو الانترنت- برغم كل ما تتضمنه من بذور ثورة علمية كامنة تنتظر منا استثمارها- عبئا علينا باعتبارها عالما جديدا لهدر الوقت والأخلاق معا.

بالتأكيد بعض مؤلفات أساتذة الجامعات العربية ذات قيمة ربما حتى على المستوى العالمي، لكن رد الاعتبار لهذا الجهد والقائمين عليه وتعميقه يستوجب منا العودة إلى العناوين الرئيسة في التدريس الجامعي، وإلغاء كارثة المنهج الجامعي المختزل في بضع أوراق من محيط هائل.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق