محمد أبو رمان

"الحرية أو الطوفان" مواجهة مع ميراث الاستبداد والطغيان

تم نشره في الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

قراءة في أوراق الإصلاح العربي(3)

 يمثل جزء كبير من التراث والفقه السياسي الإسلامي عقبة رئيسة أمام تقدم حركة الإصلاح العربي اليوم. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت طيلة القرن الماضي للتغلب على ما في هذا التراث من قيم وأحكام وأدبيات تختزل المفاهيم والممارسة السياسية في علاقة الطاعة والخضوع للحاكم وتكرس الاستبداد، إلاّ أنّ تأثير هذا التراث السلبي مازال حاضرا بقوة في الحس العربي والإسلامي العام، ولما تستطع بعد كل المحاولات المبذولة هدم الجدار الثقافي والنفسي الذي بناه التراث والخبرة التاريخية الإسلامية ضد إقبال الناس على ممارسة سياسية سليمة. وعلى النقيض من ذلك، فإن السياسة لدى التيار الشعبي العريض من الناس لا تزال كالشجرة الملعونة التي يحظر الاقتراب منها. وهذا الانطباع السائد لا يقف عند حدود الثقافة الشعبية ودلالاتها، لكن أيضا لدى النخب المثقفة التي تحمل وعيا حذرا تجاه الموضوع السياسي في أغلب الأحيان.

    من هنا، يعتبر اتجاه عريض من الباحثين والمفكرين أنّ أحد أهم شروط مضي حركة الإصلاح السياسي العربي قدما، وضمان اكتسابها القاعدة الاجتماعية والشعبية المطلوبة يتمثل في التخلص من الظلال والعبء الذي يضعه هذا التراث أمام مسيرة الحركة وتطورها، الأمر الذي يتطلب مجهودا فكريا ومعرفيا كبيرا يقوم على إعادة بناء أحكام الفقه السياسي الإسلامي التي عكست الخبرة التاريخية العربية أكثر مما عكست منطق النظرية السياسية في القرآن، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى غربلة التراث الإسلامي بما يكفل نقده بشكل منهجي موضوعي ثم إعادة توظيفه بما يخدم حركة الإصلاح ويدفعها إلى الأمام.

    في هذا المجال بذلت جهود كبيرة في القرن الماضي، خاصة مع حركة الإصلاح العربي الأولى، وقد بدأ هذه الجهود جمال الدين الأفغاني ورفيقه محمد عبده وتلميذه رشيد رضا وخير الدين التونسي ومعهم عبد الرحمن الكواكبي. إلاّ أن هذه الجهود لم تصل إلى النفوذ والتأثير الكبير داخل الحس الإسلامي العام، نظرا للقطيعة الفكرية والسياسية الذي أحدثته معها فيما بعد الحركات الإسلامية بذرائع مختلفة، تتلخص باتهام الإصلاحيين الأوائل بالتواطؤ مع الاستعمار الغربي أو تهمة تطويع الدين لتبرير الحداثة. وربما أدت مقالة على عبد الرازق "في نقد نظرية الخلافة"، من خلال كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، دورا معاكسا تماما لما أريد لها، إذ أعطت دفعا وتبريرا للمخاوف من وجود محاولات داخل النسق الفقهي والفكري الإسلامي لإقصاء الإسلام عن المجال السياسي العام.

     وعلى الرغم من رفض مرحلة الإحيائية الإسلامية للتراث السياسي القديم، وتأسيسها لممارسة سياسية إسلامية تتجاوز مقولات الخضوع للسلطة والطاعة وتكفير المعارضة، إلاّ أنّ انصباب جهود الإحيائيين (الإسلام السياسي) على الجانب العملي وإغفال الجانب الفكري والمعرفي، وكذلك تغول مشروع الصراع السياسي مع السلطات العربية الحاكمة، كل ذلك أدى إلى استمرار الدور السلبي للتراث الإسلامي في الحس الشعبي العام، خاصة مع وجود بعض الاتجاهات الإسلامية التقليدية من ناحية، والدينية الرسمية من ناحية أخرى، والتي تعيد الاعتبار لهذا التراث وتؤسس عليه مواقفها وممارساتها السياسية السلبية لخدمة السلطة، من خلال التأكيد على لزوم طاعة الحكام وتحريم الأحزاب السياسية والمعارضة وتضييق مساحة الحريات السياسية ومصادرة مبادئ حقوق الإنسان بذريعة حداثتها وعدم وجود سند في التراث الإسلامي يرفدها.

     في المقابل، استأنف عدد من المفكرين والباحثين في المجال الإسلامي مقولات الإصلاحيين الأوائل، وتزايدت في السنوات الأخيرة الجهود الفكرية والمعرفية في محاولة نقد التراث الإسلامي وغربلته والتأسيس لفقه سياسي جديد، ومن هذه المحاولات حركة "أسلمة المعرفة" من خلال معهد الفكر الإسلامي وعدد من المتخصصين والباحثين في الدراسات الإسلامية، ومنهم رضوان السيد وعبد الإله بلقزيز وفهمي جدعان وتركي الربيعو. وعزز بعض مفكري الحركات الإسلامية هذا الاتجاه، خاصة راشد الغنوشي وحسن الترابي ورحيل غرايبة، بالإضافة إلى عدد من المفكرين الإسلاميين المستقلين، كطارق البشري وفهمي هويدي ومحمد سليم العوا وأحمد كمال أبو المجد وعبد الوهاب المسيري.   

     وعلى ضفاف هذه المراجعات بدأت تظهر بوادر حركة إصلاحية إسلامية جديدة في غربلة التراث وإعادة إنتاج الفقه السياسي الإسلامي، ومن أبرز المثقفين والكتاب الشباب في هذا السياق، رضوان زيادة وزكي ميلاد... الخ.

    وعند الجهود الجديدة في غربلة التراث وإعادة بناء الفقه السياسي، يجدر التوقف عند كتاب صدر مؤخرا للدكتور حاكم المطيري، أحد القادة الإسلاميين في الكويت، بعنوان"الحرية أو الطوفان: دراسة موضوعية للخطاب السياسي الشرعي ومراحله التاريخية" (دار الفارس، عمان، 2004). والكتاب أثار ضجة منذ صدوره، إذ جاء في بيئة سياسية وفكرية محافظة ينتشر فيها الوعي السياسي السلبي والاتجاه السلفي الإحيائي الذي يعطي هالة كبيرة للتراث وما يتضمنه من إنتاج فكري وسياسي متأخر فكريا وحضاريا.

     تبرز القيمة الحقيقية لـ"الحرية أو الطوفان" في أنه يعيد قراءة النصوص الشرعية السياسية بما يناهض قيم الطاعة والخضوع والاستسلام للسلطة السياسية ومصادرة حق المعارضة والحريات العامة. وبالإضافة إلى تأكيد الكتاب على مفهوم العقد السياسي المشروط، ومفهوم السلطة المقيدة، وسحب البساط من تحت نظرية تسويغ الاستبداد، فإن الكتاب يقدم رؤية نقدية للتراث تربطه بمراحل تطوره وشروطه التاريخية وتنزع عنه الهالة التي اكتسى بها لدى العديد من الناس.

     ويؤسس المطيري لشرعية مفهوم الثورة في الفقه السياسي، لينقله من دائرة "الحرام" إلى دائرة "الواجب" إذا أخل الحاكم بعقده مع الشعب، وهي مقاربة على الرغم من ارتباطها -في كتاب المطيري- بالنسق الإسلامي العام، إلاّ أنها تذكرنا بوضوح برؤية جان لوك، رائد الليبرالية السياسية ونظريته في العقد الاجتماعي.

    وبعيدا عن حالة "القلق" الواضحة في كتاب المطيري بين القبول الكامل بمقولات الديمقراطية الليبرالية وبين الحفاظ على المبادئ والأسس السياسية الإسلامية، فإنّ المطيري يقدم إضافة مهمة في تطوير الحركة السلفية الإصلاحية، في الكويت بشكل خاص والخليج بشكل عام، لتتمكن من الاستناد إلى خطاب فكري يسمح لها بممارسة سياسية أفضل وأجرأ في مواجهة التيارات السلفية التقليدية التي سيطرت على المناخ الفكري في الخليج العربي عقودا من الدهر.

    من ناحية أخرى، تمثل مقالة المطيري استئنافا لجزء حيوي من مضمون الخطاب الإصلاحي الأول، خاصة في مجال العقلانية والواقعية التي تسمح أكثر بالاقتراب من الإصلاح السياسي، وإعلان الحرب على ميراث الاستبداد والطغيان المحشو في تراثنا الفكري وخبرتنا التاريخية ومازال يتحكم بالحس العربي والإسلامي العام.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق