ما جرى في البصرة!

تم نشره في السبت 24 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

 تناقلت الأنباء منتصف الأسبوع الفائت قصة الجنديين البريطانيين اللذين اعتقلتهما الشرطة العراقية في البصرة، ثم ردّت القوات البريطانية المرابطة هناك بهجوم على مركز الشرطة العراقي لتحرير الجنديين. وورد في الأنباء أيضاً، أن المحاولة البريطانية الأولى لإنقاذهما فشلت، وانتهت بإحراق دبابتين على يد متظاهرين تجمعوا عند مركز الشرطة معبرين عن إصرارهم على عدم الإفراج عن الجنديين. ثم جرت محاولة أخرى، استُخدمت فيها قوّة أكبر، ونجم عنها تدمير أكبر لمركز الشرطة، وانتهت بتحرير الجنديين المحتجزين.

   للوهلة الأولى برزت أسئلة محيّرة: كيف لشرطة ساهمت القوات البريطانية في إنشائها وتدريبها ودعمها وتعزيز مهمتها والتعاون معها في حفظ الأمن والنظام، من أجل تسليمها كل مسؤوليات الأمن في وقت لاحق، كيف لها أن تعتقل جنوداً بريطانيين؟ ولماذا يكون ردّ الفعل باستخدام القوّة لتحريرهما بدلاً من التنسيق مع الشرطة الوطنية لحل المشكلة، أياً كانت طبيعتها؟

    وثمّة سؤال آخر: قيل إن الجنديين البريطانيين كانا يرتديان ملابس مدنية، ويتخفيان بالزي العربي التقليدي، ويقودان سيارة مدنية دون علامات تدلل على هويتها، ويحملان أسلحة ومتفجرات، ما يعيد إلى الذهن حكايات المستعربين الإسرائيليين الذين كانوا يتخفون بالزي العربي لتنفيذ شتى أنواع المهمات التي نعرفها. فلماذا كان الجنود البريطانيون يتخفون بالزي المدني بينما قواعد الحرب تحظر ذلك حظراً شديداً؟ وماذا كانت مهمتهم؟ ولماذا أطلقوا النار على الحاجز الأمني الذي شك في وضعهم وأوقف سيارتهم للتحقُّق، فقتلوا شرطيّاً وأصابوا آخر؟

    سيطرت البلبلة المعتادة على ردود الفعل الأولى على الحادث. فالبريطانيون أنكروا بداية استخدامهم القوّة لتحرير الجنديين، ليعترفوا بذلك لاحقاً بحجة أن الشرطة سلمت المحتجزين لمليشيا تابعة لمقتدى الصدر. والعراقيون أنكروا وجود أزمة في العلاقات العراقية البريطانية دون أن يقدّموا أي تبرير مقنع؛ فإذا كان إجراء الشرطة باعتقال الجنديين صحيحاً، ويبدو أنه كان كذلك، خاصّة بعد أن بادروا إلى إطلاق النار وقتل شرطي وإصابة آخر، فعلى أي أساس يحق للقوات البريطانية مهاجمة المركز وتدميره، وتحريرهم دون الإفصاح عن طبيعة مهمتهم ودون إخضاعهم للمساءلة؟ وكيف يمكن أن لا يكون هذا سبباً لقيام أزمة حقيقية إزاء الانتهاك الصريح من قبل القوّة البريطانية لقانون وسيادة البلد المتواجدة على أرضه.

    ثم جاء في وقت لاحق اعتراف عراقي رسمي، بأن الشرطة العراقية في البصرة هي فعلاً مخترقة من قبل بعض الميليشيات، والأغلب أن الإشارة هي إلى ميليشيا الصدر.

    إذن، هنالك طبقتان في تكوين الأجهزة العاملة في البصرة، إحداهما تتكون من الشرطة الرسمية والقوّة البريطانية الموجودة والمتعاونة؛ والأخرى تتكون من الميليشيات العراقية و"المستعربين الإنجليز"، ولابد أن البلبلة هي النتيجة الطبيعية للتداخل بين عمل الطبقتين.

    هذا التداخل شرحته "الغارديان" في مقال بتاريخ 21/9/2005 لرتشارد نورتن تايلور وإيان كوبين، جاء فيه أن أكثر من نصف أفراد الشرطة العراقية في البصرة، والبالغ عددهم سبعة آلاف شخص، لا يدينون بالولاء للدولة بل للمسجد، ولا يتلقون تعليماتهم من الدولة بل من مقتدى الصدر.

    وعندما كتب مراسل نيويورك تايمز، ستيفن فنسنت، في مطلع هذا الشهر ما ينتقد إحجام القوات البريطانية عن التدخل لكبح تنامي قوّة الميليشيات، اختطفه مسلحون وقتلوه.

    ويبدو، بحسب تقرير الغارديان، أن الشرارة التي أنهت حالة التهدئة غير المعلنة بين القوات البريطانية والميليشيات حدثت عند اعتقال القوّة البريطانية لثلاثة من قادة ميليشيا الصدر يوم الأحد الفائت (18/9)؛ ما يذكِّر بالحرب التي نجمت عن إغلاق جريدة مقتدى الصدر -التي كانت تصدر في بغداد- من قبل القوات الأميركية، تلك الحرب التي اشتعلت قبل أكثر من عام وحسمت معركتها الأخيرة في النجف.

    بعد اعتقالات البصرة التي شملت قائد الميليشيا المحلي، الشيخ أحمد ماجد الفرتوسي، تفاقمت مشاعر الغضب عند أهل البصرة، وقامت تجمعات بأسلحتها تغلق الشوارع ومركز المدينة وتتحدّى السلطة المحلية.

ووسط هذا التوتر اعتقل الجنديان البريطانيان، اللذان استقر أمرهما -كما يبدو- في يد ميليشيا الصدر التي كانت تنوي مقايضتهما بالقادة الذين احتجزتهم القوات البريطانية.

    قد تكون هذه هي القصّة الحقيقية وقد لا تكون، وقد تدفن هذه الحقيقة إلى الأبد كما دفن غيرها، لكن الجانب المهم من الحقيقة يبقى معروفاً بغض النظر عن التفاصيل.

    لكل احتلال عواقبه ومضاعفاته. ففي لبنان، خلق الاحتلال الإسرائيلي ميليشيا (جيش لبنان الجنوبي) لمساعدته على التصدّي لغضب الرافضين للاحتلال، فانهار احتلال جنوب لبنان وانهار جيش العملاء معه. وفي فلسطين، تمحّض عن اتفاق أوسلو قيام قوى أمن فلسطينية مهمتها حفظ الأمن في المناطق الفلسطينية بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، فما كان إلا أن انقضت إسرائيل على قوى الأمن الفلسطينية ودمرتها لفشلها في توفير الأمن للإسرائيليين ضد الفلسطينيين!

    في العراق أوجه شبه كبيرة، وتتحدّث التقارير باستمرار عن إحجام بعض القوات العراقية الحديثة عن تنفيذ مهمات تخطط لها قوات الاحتلال ضدّ عراقيين، فقد خلق جيش الاحتلال قوّة أمن عراقية لمساعدته على السيطرة على الوضع، تماماً كما فعلت إسرائيل في أكثر من مرّة، لكنها ستواجه ما واجهته إسرائيل أكثر من مرّة.

التناقضات المعروفة التي يواجهها أي احتلال لا تنتهي إلا بانتهائه.

مندوب الأردن الاسبق لدى الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماذا ايضا (احمد عبدالله)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2005.
    اشكركم على هذا المقال لكن ما احببت ان اقراه ايضا هل كان هذا الجنديان يريدان القيام يتفجير وزجه بالمقاومة في بغداد مثلا