البنوك ومخاطر مبدأ القيمة العادلة

تم نشره في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

 أخذ العالم منذ مطلع القرن الحالي بالتأسيس لأنظمة محاسبية أكثر توافقاً والحياة المالية المعاصرة. وقد طورت الجمعيات والمجالس المحاسبية الدولية أسساً جديدة كان أكثرها إثارة للجدل التعديل الذي طرأ على كيفية تقييم الأصول المالية التي تمتلكها الشركات.

 قبل هذا التعديل كانت القواعد المحاسبية تتمسك بمبدأ القيمة التاريخية، أي السعر الذي تتملك به المنشأة لأصولها المالية من أسهم وسندات أو أية اوراق مالية أخرى.

 وقد كانت تلك القاعدة  تتجاهل التغيرات التي تطرأ على قيمة تلك الأموال بفعل عوامل عديدة منها حركة العرض والطلب عليها وأوضاع السوق وتقلباته ككل. ولكن في العام  1992، أصدر مجلس المحاسبة الأميركي المعيار رقم 115 والذي كلف فيه البنوك فرز ممتلكاتها من السندات المالية إلى مجموعتين: المجموعة الأولى تمثل تلك السندات التي يحتفظ بها البنك لتاريخ الاستحقاق، والمجموعة الثانية هي التي يقوم البنك بالمتاجرة فيها قبل حلول موعد استحقاقها.

 وأقر مجلس المحاسبة الأميركي للبنوك أن تُفصح في هذا التوزيع عن المجموعة الأولى بالاستناد إلى قيمتها التاريخية وان تفصح عن المجموعة الثانية بالاستناد إلى قيمتها السوقية. كما الزمت هيئة تبادل السندات الأميركية البنوك الرئيسة بالافصاح عن أية سندات يتوقع ان تقوم تلك البنوك ببيعها من خلال حساب تعده لهذا الغرض باسم "موجودات برسم البيع".

ولكن خلافاً لهذا الوضع الذي بقي سائداً في العقد الأخير من القرن الماضي، إتفق مجلس المحاسبة الأميركي ولجنة معايير المحاسبة الدولية في مطلع القرن الحالي على تطبيق مبدأ القيمة العادلة، لاعلى نوع واحد من الاصول المالية التي تمتلكها البنوك بل على كافة تلك الأصول والأدوات المالية بغض النظر عن قيمتها التاريخية.

وبتلك الخطوة باتت أصول البنوك من الأسهم والسندات المتداولة في الأسواق المالية تتحدد قيمتها بتاريخ ميزانيتها حسب القيمة السوقية لتلك الأدوات دون اعتداد بقيمتها الدفترية على الاطلاق.

بالطبع إن مثل هذا التوجه مثل منعطفًا خطراً في قواعد المحاسبة الكلاسيكية خاصة وان تقلب أسعار الاسهم والسندات في الأسواق المالية فيه من التذبذب واللااستقرار ما يجعل من الارتكان على قيمته بلحظة إعداد الموازنة أمرا مشكوكا بصحته إلى حد كبير. ليس هذا وحسب،  بل اكثر من ذلك، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار إن أسواق المال لا تعبر بالعديد من الأحيان عن قيم تلك الأدوات المتبادلة فيها، لان العوامل المؤثرة بصعود وهبوط قيم تلك الأدوات هي في أكثرها نتيجة عمليات مضاربة يلجأ اليها المتعاملون بتلك الاسواق بغية الخروج باكبر قدر من الارباح باسرع ما يمكن.

 وإذا تخيلنا ان جانباً كبيراً من أسواق المال تعمل على هذا النحو فإن الارتكان إلى الاسعار السائدة في تلك الاسواق للتعرف على قيم اصول المؤسسات المصرفية باي لحظة زمنية فيه تشويه للوضع الحقيقي لتلك المؤسسات بما يفقد البيانات المالية الغرض الرئيسي الذي تعد لأجله.

حقيقة الأمر ان البنوك مدعوة أكثر من غيرها بالرجوع إلى معايير اكثر واقعية في التعبيرعن موجوداتها، أو العودة على اقل تقدير لما كان متبعا في نظام مجلس المحاسبة الأميركي قبل التعديل، وإلا فإن اضطرابات أسواق المال وتذبذباتها غير المعقولة ستنعكس على موجودات البنوك وحقوق مساهميها ولا يعقل ان يكون هذا هو الغرض الذي قصده واضعو مبدأ القيمة العادلة.

التعليق