منار الرشواني

العلاقات مع إسرائيل: أوان استحقاق السياسة؟

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

مر ما يقرب من عقد ونصف على انطلاق مسيرة التسوية السلمية للصراع العربي-الإسرائيلي بعقد مؤتمر مدريد للسلام العام 1991، وما ينوف على عشر سنوات على توقيع اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية. وإذا كانت هذه الفترة تستدعي بحد ذاتها وقفة تقييم ومراجعة، فإن مثل هذا التقييم وهذه المراجعة تبدو ملحة اليوم بالنظر إلى طبيعة التغيرات الإقليمية الحاصلة بشكل عام، لاسيما بعد احتلال العراق، وأخيرا الانسحاب الإسرائيلي من داخل قطاع غزة، وتبعاته المنظورة وغير المنظورة. ومن هنا تأتي في الواقع أهمية الندوة التي عقدها، يوم السبت الماضي، مركز الأردن الجديد للدراسات والمركز المتوسطي للشؤون الدولية تحت عنوان: "العلاقة الأردنية-الإسرائيلية: تقييم لعشر سنوات ونظرة على المستقبل". وبحسب تعبير السيدة نهى الأزرعي فإن هذه الندوة تستحق وصف "هناك من يعلق الجرس"، لكن السؤال هو: يعلق الجرس لأجل ماذا؟

البعض يريد تعليق الجرس لمحاسبة اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية، أو بعبارة أدق تقييمها من الاساس وصولا ربما إلى الحديث (ولو نظريا) عن إلغائها، أو على الأقل منح المشروعية لحملة مستمرة، وإن بتباين في الحضور على الساحة الوطنية، لمقاومة التطبيع مع إسرائيل. أما على الطرف الآخر، فثمة من يريد تعليق الجرس لكسر "تابو" التطبيع ذاته، باعتبار أن في مثل هذا الأمر تحقيق للمصلحة الوطنية على غير مستوى، لاسيما على المستويين السياسي والاقتصادي.

كلا الطرفين لم ولن يعدم الحجج التي تبرر وجهة نظره، كما برز ذلك جليا في مناقشات الندوة. فالممارسات الإسرائيلية اليومية بحق الشعب الفلسطيني، وتلكؤها في تنفيذ الكثير من التزاماتها المنصوص عليها في اتفاقيات رسمية، أو حتى تحللها من بعض تلك الالتزامات يجعل من السهل على أي كان إثبات أن العرب، بمن فيهم الاردن، هم الطرف الخاسر في أي علاقة مع إسرائيل، سياسية كانت أم اقتصادية أم غيرها. في المقابل، فإن الظروف الدولية والإقليمية، لاسيما حالة الانفتاح العربي المتسارع على إسرائيل عقب تنفيذ خطة شارون لفك الارتباط مع قطاع غزة، مضافا إلى ذلك الدور الإقليمي الأردني الحاسم على صعيد الاستقرار الداخلي وحماية الوطن الأردني، متضافرا مع الأوضاع الداخلية، والأبرز اليوم هو الاقتصادي منها، بما يفرضه ذلك من مزيد من التعاون تحقيقا للمصلحة الوطنية، كل هذه المعطيات تمنح المشروعية فعلا لمطالب أولئك المنادين بتقبل إسرائيل عنصرا موجودا على المستوى الإقليمي والدولي لا يمكن تجاهله، وصولا -عند فريق ضمن هؤلاء- إلى مزيد من الانفتاح على إسرائيل ومجتمعها بشكل ثنائي وليس إقليمي أو دولي جماعي فحسب.

بناء على ذلك، يبدو صحيحا القول إن القضية في الواقع ليست إذا ما كنا مع إقامة علاقات مع إسرائيل أو التطبيع معها من عدمه، بل هي قضية إعمال السياسة في اتخاذ هكذا موقف وترجمته على الأرض. إذ إن كلا الطرفين أو الفريقين، المصطفين على طرفي نقيض، يملكان شيئا من الحقيقة التي تستدعي التدقيق والنظر، لكن وبنفس القدر، فإن ثمة قاسما مشتركا أكبر يجمع الطرفين في موقفهما، وضمنه القضية الاكثر حساسية وإثارة للجدل وهي التطبيع، هذا القاسم المشترك هو "غياب السياسة"، بمعنى وجود رؤية واضحة ومتبلورة ذات ملامح وإجراءات محددة تقوم على الاساس العقلاني المتمثل في معيار الخسائر والمنافع.

غياب السياسة على الجانب المؤيد للتعامل مع إسرائيل، بغض النظر عن مستوى هذا التعامل أو درجة "حميميته"، يظهر من حقيقة أنه، وبعد قرابة عقد من توقيع اتفاقية السلام الاردنية-الإسرائيلية، مازال "التطبيع مع إسرائيل"، بكل ما ينطوي عليه المفهوم من غموض, ناتجا عن تحكمية إلى حد كبير في إطلاقه، مازال تهمة تدمر السمعة الاجتماعية، وتستدعي في المقابل اللجوء إلى المحاكم لدرئها أو تبريرها! هذه الحقيقة تستدعي حقيقة أخرى، وهي أن الطرف المقابل الرافض للتعامل مع إسرائيل أو "التطبيع" معها هو المسيطر. لكن هذا الفريق، وبكل الزخم الذي يستمده ممن تبدو أنها أغلبية شعبية، يفتقد إلى السياسة أيضا على هذا الصعيد. ففي لقائي مع أحد الباحثين الأميركيين، روى لي أنه عند سؤاله أحد اهم شخصيات العمل الإسلامي في الاردن عن موقف حزب جبهة العمل الإسلامي من اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية في حال تسلم حزبه للسلطة؟ كان رد الشخصية الإسلامية، وهو رد ليس للنشر كما اسم الشخصية ذاتها: إن الحزب يحترم الاتفاقات الدولية (وضمنها بالطبع اتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية)! هذا الرد ينطوي على بعد بالغ الخطورة، وهو أنه خلافا لما يقال حول سيطرة هذا الفريق على الشارع او تعبئته له، يبدو العكس هنا الصحيح تماما، أي أن الشارع هو من يسيطر على نخب كاملة فيفرض عليها مواقف معلنة تبدو غير منسجمة، في ظل المعطيات الراهنة على الاقل، مع استحقاقات الواقع، وبدلا من أن تقوم النخب بتوجيه وقيادة المجتمع إلى ما يخدم المصلحة الوطنية، يتم الانقياد إلى عواطف ربما لا يجادل أحد في صحتها ومشروعيتها، لكنها بالتأكيد ستغدو عبئا ولربما عامل تفجر عند مواجهة استحقاقات الواقع تلك.

الخسارة الفعلية ليست في الحقيقة، وعلى اي صعيد سواء أكان سياسيا أو اقتصاديا أو غيرهما، هي نتيجة للتعامل مع إسرائيل من عدمه، بحسب موقف كل منا، بل إن هذه الخسارة هي نتيجة لغياب السياسة بمعناها الحقيقي، تلك السياسة التي تسمح بتعظيم المكاسب وتقليل الخسائر في ظل معيار المصلحة الوطنية، التي ليس ثمة ما يمنع من أن تشمل حتى الإرث العاطفي. وإذا كان غياب السياسة يجعل من كل تعاطٍ مع إسرائيل يبدو بمثابة نصر مؤزر لها وخسارة محبطة للعرب، وبما يعبر في الحقيقة عن أزمة ثقة بالنفس ناتجة بدورها عن غياب السياسة، في المقابل فإن خلق هذه السياسة وإعمالها، وعدا عن كونها ستقدم معيارا حقيقيا للمراجعة والمحاسبة بشكل مرن، فإنها قد تكون أحد أهم عوامل الاستقرار بالنظر إلى الدور الاساس الذي تلعبه إسرائيل وممارساتها في خلق احتقان شعبي؛ فالسياسة المتفق عليها والمرسومة حول المصلحة الوطنية الاستراتيجية قد تجعل من إسرائيل عامل وحدة مجتمعية حقيقية وليس كما كانت سابقا عامل توحيد قائم على تكميم الأفواه.

السياسة المطلوبة يمارسها الفلسطينيون فعلا، وتحديدا حركتا حماس والجهاد الإسلامي، من خلال ارتضاء الهدنة التي تسمح بمضي المشروع السياسي الفلسطيني قدما. فهي إذن، ومرة أخرى، تلك التي تعظم الفوائد وتقلل الخسائر، والتي لا تعني بأي حال الرضوخ لإسرائيل أو السماح لها بالهيمنة علينا، كما أنها قد لا تعني بأي حال التطبيع الشعبي، فالحل لا يكمن في الخوف والإنكار وإنما في المواجهة.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سيطرة الأحزاب والنخب السياسية على الشارع (حسام حياري)

    الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2005.
    ألا يتفق معي الكاتب أن هناك دولا تتخذ قراراتها الكبرى راضخة لإرادة شعوبها ( رأي الشارع )وهو عادة مايكون رأي الأغلبية.
    لكن يمكن القول أن تقوم هذه النخب السياسية والأحزاب بخاطبة الشارع ومحاورته, حيث أن هذه الأحزاب في النهاية تتطمح لأن تكون الأكثر شعبية