عمان التي لم نعد نعرفها

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

الندوة التي عقدتها أمانة عمان/الدائرة الثقافية، وعنوانها "الشقق السكنية وإشكاليات الجوار"، تعبر عن الشعور بالتحولات الاجتماعية والتنظيمية الكبرى التي تمر بها عمان على نحو متسارع يحتاج إلى تخطيط يستوعبها، ويحافظ على طابع المدينة، ويستدرك ظواهر كثيرة تضر بالمدينة وساكنيها وزوارها، وقد تعصف بكثير من المنجزات والحالات الإيجابية القائمة.

أقيم في عمان خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 150 ألف مسكن، والعدد الإجمالي للمساكن يفوق عدد الأسر، ما يعني أن ثمة فائضا في العرض. ولكن، برغم هذا الفائض، فقد شهدت العقارات ارتفاعا كبيرا في الأسعار يحتاج إلى تفسير وتوقف، لأنه يهدد مستوى المعيشة في عمان، وقدرة الناس على العمل والإقامة فيها، وقد يغير من تركيبتها الاجتماعية والاقتصادية.

ومازالت عمان، برغم النمو العمراني الكبير جدا، تعاني بعامة من ضائقة سكانية، بمعنى الراحة والسكن المناسب. فقد بلغ معدل عدد الأفراد للغرفة الواحدة 2.5، ويعيش أكثر من نصف سكان المدينة في مساكن مكونة من غرفة أو غرفتين، وليس لدى 13.7% من الأسر غرفة نوم، ولا يستطيع 50% من السكان في عمان تمويل شراء وحدة سكنية بمساحة 70 متر مربع!

لكن، لماذا يفوق العرض بحوالي ضعف الحاجة، وبرغم عدم قدرة معظم الناس على شراء ما يعرض من مساكن؟ هذا يعني بالضرورة أن نسبة الإنفاق على السكن يشكل نسبة عالية تزيد على المعدل المفترض (15%)، إذ اقتربت هذه النسبة لدى شريحة من المواطنين إلى نصف الدخل، ولدى نسبة عالية منهم تساوي النسبة 40%. ويؤدي ذلك أيضا إلى نسبة اكتظاظ عالية، ومعاناة في السكن لعلها الأكثر في الوطن العربي، بما في ذلك مصر.

وقد ارتفعت نسبة الشقق السكنية من 29% في أوائل الستينات من القرن الماضي لتزيد على 75% العام 2002. ويرافق ذلك بالتأكيد مجموعة من التحولات والمشكلات الجديدة التي لم يتعامل معها المجتمع من قبل، ولا يملك خبرة ثقافية واجتماعية لاستيعابها، ويبدو أيضا أن التشريعات القانونية والتنظيمية لم تستوعبها جيدا. وبعامة، فإن التشريعات تعكس الحالة الاجتماعية والثقافية السائدة، وإذا كان ثمة فرق بين التشريعات والثقافة السائدة، فإن مشكلات جديدة ستنشأ. وهكذا، فإننا نحل المشكلات بمشكلات جديدة.

ولكن ما حدث في أثناء السنوات الخمس الماضية يمضي بعمان لتكون مدينة أخرى، وبالتالي يمضي بالبلد بعامة إلى حالة اجتماعية وثقافية جديدة، ليست بالضرورة كلها إيجابية، بل إنها تبدو في الانطباع الأولي، ولدى الحديث مع معظم الناس أقرب إلى الصدمة.

فقد ازداد عدد السكان زيادة غير طبيعية بفعل مجموعة من الهجرات غير الطبيعية؛ بسبب الانتفاضة في أواخر العام 2000، ثم أحداث أيلول العام 2001، وكانت العاصفة الكبرى في الهجرة والتدفق المالي بعد الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003. ويبدو أيضا أن الحالة الجديدة والمتوقعة في سورية ولبنان تدفع بعدد كبير من الناس للهجرة إلى عمان، أو شراء بيوت فيها وتحويل أموال إليها.

فالثقافة المرورية التي لم تكن بعافية ابتداء، تتعرض لانتكاسات غير مألوفة، مثل انتهاك الإشارات الضوئية، ليس فقط على نحو فردي معزول أو في أطراف المدينة، ولكن في منتصف المدينة وأحيائها العامرة وفي ساعات الذروة وعلى نحو جماعي. والسلوك تجاه أنظمة التوقف والأولويات يجعل شوارع عمان و"اتوستراداتها" موقف سيارات عملاق، ليس بسبب الزحام فقط، ولكنها حالة تنشأ كثيرا بسبب اختناقات تراجيدية، مثل التوقف في منتصف الطريق العام لأجل التسوق.

هل هناك بيانات إحصائية عن عدد الوافدين وسياراتهم ومساكنهم؟ إن الفائض في العرض قد يكون دفتريا فقط، لكنه يعبر في الواقع عن عمليات إقامة وشراء واسعة في المدينة، تدل عليها لوحات السيارات التي تجعل اللوحات الأردنية أقرب إلى الأقلية، إلى درجة تشجع على النكتة التي تقول: حينما ترى سيارة أردنية تلوح لسائقها تعبيرا عن الشعور بالغربة! والموضوع له امتدادات وتداعيات كثيرة تحتاج إلى أكثر من وقفة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق