بوش وشارون مرة أخرى

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

قليلة هي المرات التي تتدخل فيها الإدارة الأميركية في محاولة للتأثير على نتائج الحراك السياسي في إسرائيل وتنجح في مسعاها. وعادة ما يؤدي التدخل الى نتائج عكسية، وذلك حرصا من الإسرائيليين، على وجه العموم، على استقلالية توجهاتهم. ونذكر الجهد الجبار الذي بذله الرئيس الاميركي السابق بيل كلنتون العام 1996، عندما شارك في مؤتمر شرم الشيخ للتداول في موضوع الارهاب، وذلك من أجل مساعدة شيمعون بيريز للتغلب على خصمه بنيامين نتنياهو. فقد حشد كلينتون لهذا المؤتمر العديد من الشخصيات الأوروبية والعربية، بيد أن الناخب الإسرائيلي، وبرغم هذا الجهد، أصر على اختيار نتنياهو.

    لكن هذا لا يعني أن التدخل عبثي، بل إنه قد يفضي الى نتائج مهمة إذا ما أحسن اختيار توقيت وآلية التدخل. وقد حاولت إدارة بوش الأب التدخل في الانتخابات الإسرائيلية العام 1992، بغية التخلص من اسحاق شامير الذي لم يكن مرنا في تعامله مع الادارة الأميركية بشأن مؤتمر مدريد والمفاوضات التي تلته؛ إذ استغل بوش الأب ضمانات القروض من أجل لي ذراع حكومة شامير، لكن النتيجة كانت ازدياد الأخير تعنتا. فقد راهن شامير آنذاك على القوى المؤيدة لاسرائيل في الولايات المتحدة، وكذلك على صلابة موقف الناخب الاسرائيلي. ورغم ان الفئة المتضررة من تأجيل منح ضمانات القروض كانت من المهاجرين الروس الجدد، الذين ينزعزن الى اليمين، إلا أنهم اضطروا إلى تبديل موقفهم وانتخاب رابين، على أمل ان يستطيع الحصول على ضمانات القروض، وهذا ما حصل فعلا.

    التدخل الأخير الذي لا نعرف الى أين سيفضي هو من قبل بوش الابن هذه المرة. ففي معرض استقباله لشارون في الولايات المتحدة، طمأن بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي، وبشكل علني، بانه سيعاد انتخابه مرة أخرى في اسرائيل، من خلال وصف شارون بالصفات الحميدة، مثل الشجاعة في اتخاذ القرارات الصعبة، ووصفه أيضا بـ"رجل السلام".

    ومع أن بوش يؤكد على انه لا ينوي التدخل في الشؤون الاسرائيلية، الا ان تصريحاته قد تكون بمثابة مقدمة لشيء أكثر من ذلك. ولا نعرف كيف ستؤثر هذه التصريحات على الديناميكية الحزبية المستعرة في الليكود، والتي لا يمكن -إن استمرت على هذا المنوال- ان تأتي بنهاية سعيدة لشارون.

    منفذ بوش للتدخل هو قيام شارون بتنفيذ خطته للانسحاب من غزة. ومن السذاجة بمكان أن يتم الاستنتاج أن لشارون استراتيجية سلام، فالمحفز للانسحاب هو علاقة مترابطة بين تطورات ديمغرافية وبين الجغرافيا، ليس رغبة من شارون في الاعتراف بحقوق الفلسطينيين في قيام دولة لهم. لكن من الجدير بالذكر ان دعم بوش هو ليس لاسرائيل، على النحو الذي درجت علية الادارات الأميركية السابقة، وإنما هو دعم لرؤية يمينية في اسرائيل، تنسجم مع توجهات المحافظين الجدد في البيت الأبيض.

    ويكشف هذا التدخل، وبهذا الشكل، عن عدم جدية الولايات المتحدة في التعامل مع الملف الفلسطيني. ويدرك بوش قبل غيره ان قبول شارون لخطة خارطة الطريق إنما هو قبول تكتيكي، وأن الأخير يحاول التملص منها بكل السبل الممكنة. واكثر من ذلك، يدرك بوش قبل غيره بان وضع شارون في حزبه لا يمكّن من إنقاذه من هزيمة انتخابية باتت وشيكة.

    وكان الأجدى لو رمت الإدارة الاميركية بثقلها خلف حزب العمل، الذي يبدو ان له فرصا معقولة هذه المرة إذا ما انشق الليكود، وهو امر غير مستبعد. أما انحياز بوش الأعمى لشارون، فهو يزيد من تفاقم الوضع الفلسطيني. والأمَرّ من كل ما سبق، ان بوش يتبنى مقولة شارون بانه لا حراك في العملية السلمية حتى يسيطر الفلسطينيون على الوضع في غزة. وللأسف، فإن الولايات المتحدة، التي تستطيع بالتأكيد لعب دور اكثر إيجابية، تختار ان تساهم في تعطيل عملية السلام، بدعمها لمرشح يميني لم يوافق على خطة سلام في تاريخه الطويل.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق