محمد أبو رمان

الكوميديا العربية في مواجهة مرارة السياسة

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

خارج سياق الارتهان للسياسة العربية وانكساراتها وإخفاقاتها، تخلق السينما المصرية مساحة جديدة من الاشتباك بهموم الإنسان العربي، ودفعه إلى عدم الركون لحالة الإحباط ومشاعر العجز في ظل اللحظة السياسية الحرجة والمأزق التاريخي الحالي المرتبط بمرارة الهزائم العسكرية وسوء الأحوال الاقتصادية ومؤشرات فشل المشاريع التنموية.

يبدو فيلم "معلش إحنا بنتبهدل"، للفنان المصري أحمد أدم، بمثابة "الشهادة الفنية" على الواقع السياسي العربي. هذه الشهادة، وإن بدت في ظاهرها سوداوية معبرة عما يمكن أن نسميه بالكوميديا السوداء على قاعدة "شر البلية ما يضحك"، إلا أنّها تحمل دلالات مهمة على أن الفنان العربي قادر على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وتأدية دور كبير يحمل دلالة نضوج عميق في التعبير عن الناس وعن موقفهم الحقيقي الرافض لمشروع الهيمنة الأميركية من جهة، وعلى قدرتهم –من جهة أخرى- على بناء إدراك صحيح لما يدور حولهم من أحداث، والتغلب على محاولات تزوير الواقع وتشويه الصورة الحقيقية له من خلال آلة الإعلام الأميركي. قصة الفيلم تدور -باختصار- حول أحداث سبتمبر واحتلال العراق، من خلال قصة مواطن مصري بسيط اسمه "القرموطي" (وهي نفس الشخصية التي قدّمها أحمد أدم في سر الأرض)، يملك مقهى شعبيا مردوده المالي محدود.

ولدى القرموطي هوس بالقضايا والأحداث السياسية، إلى درجة تجعله يدّعي وجود صلات وعلاقات بينه وبين حكام ورؤساء الدول، بينما ابنه الوحيد "وحيد" يعيش حالة نفسية حرجة جراء البطالة وعدم القدرة على بدء خطواته العملية وتحقيق متطلبات الزواج والعمل.

 ولعل هذه أولى الرسائل التي يطلقها الفيلم، أي الإشارة إلى حالة انفصام الإنسان العربي وحيرته بين همومه الاقتصادية ومعاناته اليومية وبين الأحداث السياسية الخطيرة التي تضرب المنطقة والمجتمعات وتزيد من حالة السوء والضيق التي يشعر بها الناس. يحاول الأب توفير "تأشيرة سفر" لابنه للذهاب لأميركا، لكنه يفشل، وبدلا من ذلك تتوافر فرصة لذهاب ابنه في تجارة إلى العراق لبيع المانجا المصرية في السوق العراقية؛ عند ذلك تبدأ المفارقات والرسائل السياسية تتدفق من الفيلم. ويغادر "القرموطي" إلى العراق للبحث عن ابنه بعد انقطاع أخباره واعتقاله من قبل نظام صدام بسبب انتقاده للأخير في مكان عام.

ويصل "القرموطي" إلى بغداد لحظة وقوع الحرب، وتقوده الأقدار إلى مخبأ صدام السري، وهنا يفتح المؤلف (يوسف معاطي) حوارا ساخرا بين القرموطي وصدام حسين، يستبطن في دلالته محاولة لخلق مواجهة وحوار بين المواطن العربي البسيط (وفي سياق مواز لذلك بين المشاهدين) وبين صدام حسين.

 في هذا الحوار هناك إشارة هزلية خطيرة إلى توريط النظام العراقي للإنسان العربي في مواجهات خاسرة محسومة سلفا، دون تمكين هذا الإنسان من شروط المواجهة ومتطلباتها، ودون تمكين الإنسان العربي من نيل كرامته التي تدفعه إلى مواجهة العدوان.

هذا المشهد "الحوار" فيه إدانة للنظام العراقي السابق، والتقاط للحظة التراجيدية التاريخية لسقوط بغداد، بما في ذلك من مشاهد واقعية لتلك اللحظة يستدعيها المخرج ليعيد الحضور، نفسيا وذهنيا، إلى تلك الفترة وما تتضمنه من مشاعر مضطربة وحالة نفسية مرعبة عاشتها الشعوب العربية وهي تشاهد انهيار دولة واختفاء جيش وسقوطا لكل ادعاءات النظم الثورية، وانكشاف خورها وهشاشتها أمام التحديات الحقيقية.

في المقابل، يخلق الفيلم حوارا آخر بين المواطن العربي وبوش، يتمثل في إلقاء القبض على القرموطي في مخبأ صدام، وإرساله إلى الولايات المتحدة بصفته إرهابيا خطيرا! وهناك يقوم بوش (العم سام) بفبركة قصص أسلحة الدمار الشامل والإرهاب ونسبتها إلى القرموطي من خلال أفلام مزورة، للتحايل على الرأي العام الأميركي والعالمي.

 وهذه المشاهد تتضمن إشارات خطيرة، في مقدمتها أن الوعي الشعبي العربي يشكك في حقيقة الجماعات الأصولية وما يصدر عنها وقصة الإرهاب بأكملها، والتي يبدو جزء كبير منها مفبركا ومبالغا فيه في الصورة الشعبية العربية، مما يعني أن مشروع الحرب على الإرهاب هو فقط غطاء أيديولوجي لمشروع الهمينة وللمصالح الأميركية في المنطقة العربية.

ومن الرسائل التي يمكن التقاطها من هذه المشاهد: أنّ الإنسان العربي البسيط الذي يبحث عن شروط حياته الأساسية مرشح في ظروف معينة أن يصبح إرهابيا أو مشروع إرهابي، حتى ولو كانت قضيته إرسال المانجا من مصر إلى العراق لتأمين حياته! وتتعانق هذه المفارقة الذكية في الفيلم مع الحالة النفسية العامة التي بات يشعر بها الإنسان العربي في كل مكان بأنه مهدد في أمنه وسلامته الشخصية، وأن الظروف السياسية تفرض نفسها على تفاصيل حياة الناس اليومية. هناك العديد من الرسائل والإشارات الأخرى في الفيلم، منها حالة التعاطف من قبل المجتمع المصري-العربي مع القرموطي بعد رجوعه هاربا من العراق؛ إذ يصور لنا الفيلم كيف يتحول هذا الإنسان البسيط إلى بطل قومي لمجرد استشعار الرأي العام فيه حالة العداء للولايات المتحدة.

تكمن ميزة الفيلم وحيويته في ملامسته واشتباكه مع هموم المشاهدين وهواجسهم وخبيئتهم النفسية منذ احتلال بغداد. إذ يترك المؤلف والمخرج النص مفتوحا في كثير من الأحيان ليقوم المشاهد بدوره بكتابة نصه الموازي لـ"سيناريو الفيلم"، وينتقل بين الذاكرة التي ما زالت حاضرة اليوم وبين التحليل السياسي والنفسي للجماهير العربية التي مازالت تعيش صدمة الأحداث.

 وفي ذات الوقت الذي ينتزع فيه الفيلم الضحكة من الناس، فإنها في لحظات كثيرة تكون مصحوبة بدموع المرارة والحزن من مرارة الكوميديا السوداء الواقعية العربية التي يعكس الفيلم شيئا من مشهدها العام. يوسف معاطي (مؤلف الفيلم) نجح في نقد الواقع السياسي العربي من خلال حوارات ومشاهد ذكية دون أن يتورط بلغة خطابية مملة، لكنه في نفس الوقت لم ينجرف إلى جوقة المطبلين والمهللين للولايات المتحدة، وإنّما يكشف الرؤية الشعبية للسياسة الخارجية الأميركية. كما يبسّط المؤلف شخصية القرموطي ويقربها للمشاهد من خلال نزع المثالية عنها، وتقديم جزء كبير من تناقضاتها التي تخفي مشكلات في الشخصية العربية. إلاّ أنه في ذات الوقت يخفي وراء السيناريو البسيط القريب من المشاهدين أفكارا خطيرة مقلقة، تديم الحوار بين الإنسان العربي وقضاياه السياسية وهمومه اليومية. بعيدا عن المستوى الفني، الذي له نقاده وأهل الكتابة فيه، ففكرة الفيلم ليست انتقادا لبوش ومحاكمة له، كما ذهب كثير من الكتاب والنقاد، بل هي أولا وأخيرا نقد للواقع السياسي العربي ذاته، وصناعة حوار مفتوح وتواصل بين الفن والناس، بعيدا عن الاتجاه العام من الفن العربي اليوم.

 m.aburumman@alghad.jo

التعليق