إبراهيم غرايبة

الموارد البشرية وهدر الإنسان!

تم نشره في الجمعة 16 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

   الدول والحضارات والاقتصادات الزاهرة التي قامت على أساس الاستثمار في الإنسان ليست أمرا جديدا في التاريخ والجغرافيا، وربما كان الفينيقيون أول من عرف في التاريخ عن حضارة تستثمر في خبرة الإنسان وعقله، فكانت التجارة والمقايضة ثم القوة البحرية والكتابة.

    وبالطبع، لا يمكن الحديث عن سياسات للإصلاح قائمة على الموارد البشرية، ويسجل في الوقت نفسه هدر لكرامة الإنسان وحقوقه وفرصه. وإذا كان الاستثمار في الموارد البشرية اختيارا ثانويا في بلاد كثيرة، فهو لدينا في الأردن يكاد يكون الخيار الوحيد للإصلاح والتنمية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وشح الموارد.

    الهدر في لسان العرب هو: "ما يبطل من دم أو غيره، أي ما يستباح، ويمكن سفحه في حالة من زوال حرمته التي تحصنه ضد التعدي عليه". ومن ثم، يمكن القول إن الهدر الإنساني يبدأ بإباحة إراقة الدماء في فعل القتل أو التصفيات، إلى سحب القيمة والتنكر لها، مما يجعل الكيان الإنساني يفقد مكانته أو منعته وحرمته، ويشمل أيضا عدم الاعتراف بالطاقات والكفاءات، أو الحق في تقرير المصير والإرادة الحرة، وحتى الحق في الوعي بالذات والوجود.

    وهكذا، فالاستبداد ليس مجرد حجب للديمقراطية أو منع للحقوق، بل هو علاقة مختلفة نوعيا تقوم على اختزال الكيان الإنساني للآخرين إلى مستوى الهدر وعدم الاحترام.

    وتتعدد ألوان الهدر، بمعنى انعدام الاعتراف بإنسانية الإنسان، وتتخذ أشكالا ومستويات متفاوتة، فيدخل فيها الطغيان والاستبداد، والفساد وإهمال الطاقات البشرية وعدم المساواة في التنافس على الفرص، والإحباط والاكتئاب، والاستسلام لثقافات وأوضاع تهدر حق الإنسان وفرصه وخياراته.

    ويشمل الاستبداد وهدر الإنسان التدخل في الوعي والمعرفة، حجبا أو إغراقا، على نحو يهدف إلى السيطرة على عقول الناس ووعيهم وإدراكهم، وحقهم في المعرفة والحصول على المعلومات، والعمل على ترويض الإنسان وبرمجته وفقا لأغراض السلطة وتسويق السلع والمنتجات.

    ومن طرق هذا النوع ترويض الإنسان، الذي يتجاوز السلوك الظاهري إلى تشكيل الإدراك والقناعات والعواطف، بحيث يمثل امتلاك الإنسان من الداخل وعلى مستوى الوعي الذاتي. ويرتبط بالترويض الاقتران الشرطي، الذي يتمثل في الربط بين العقاب الصارم والصاعق وبين أي سلوك يمكن أن ينال من سلطة المستبد أو يهدد استبدادها.

    على أن بعض حالات الطغيان تتجاوز كل ما سبق من ضبط وتجنب وتعلم اجتماعي وتعميم في ترويض الناس، وصولا إلى غرس حالة الاستسلام المتلبد، فيما يعرف باستجابة العجز المتعلم، بحيث يستسلم الإنسان لقدره في نوع من التكيف مع الصدمة في حالة من الإجهاد الانفعالي، وهنا يبلغ الهدر الإنساني حالاته القصوى والأكثر وحشية وكارثية.

     والواقع أن التحكم الناعم هو الأكثر فاعلية وتأثيرا على المدى البعيد، وهو قمة التحكم الذي يتجمل بزينة الديمقراطية، مثل الهيئات التمثيلية والانتخابات واللجان وآليات النفاذ إلى القلوب، بحيث يحتل المستبد عالم الناس الذاتي، كمصدر إعجاب وافتنان وموضوع تعلق، ما يعزز من هيمنة السطوة، ومعها حالة هدر كيان الناس ووعيها وإرادتها واستقلالها.

إن هدر الفكر والوعي والطاقات، وما يتضمنه من فقدان مناعة، يجعل المجتمع عديم القدرة على مقاومة الاستبداد والعصبيات.

    يعرف الفكر بأنه كل ما يؤثر على الوعي، أي كل ظاهرة نفسية واعية، مما هو مرادف للذكاء والعقل. ويتحالف كل من الاستبداد والعصبيات في ممارسة ألوان من الهدر على الفكر، وصولا إلى خلق مناخ موات لفرض سطوتها، لأنها لا تهتم إلا ببناء السلطة والسطوة والتحكم، وليس لديها مشروع حقيقي لإنجاز ثروة صناعية أو زراعية، فالفكر والمعرفة يحتلان وظيفة هامشية.

    ويلاحظ بوضوح، اليوم، في مجال التعليم العالي تردي النوعية على مستوى حداثة المعرفة ومتانة إعداد العقل، وكذلك إسباغ طابع اليقين الإيماني على ما نستورده من معارف.

    يمكن القول إن المعرفة هي سبيل بلوغ الغايات الإنسانية، مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وقد أصبحت محركا قويا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وثمة رابطة قوية بين اكتساب المعرفة والقدرة الإنتاجية للمجتمع، فالمجتمعات ذات الاقتصاد الأكثر تقدما تقوم على المعرفة الأكثر كثافة. ويمثل الشباب حالة فظيعة من هدر الإنسان الجاري في دول ومجتمعات لا تلقي بالا للنهضة والتنمية.

    في حالة المعلوماتية والاتصالات القائمة، لم يعد الكبار يشكلون مرجعية للجيل الصاعد على صعيد المعرفة على الأقل، فهم يتقنون التعامل مع تقنيات المعلومات وقواعدها، بل ويصبحون مرجعية للكبار فيما يستعصي من أسرار التكنولوجيا. وهنا قد يكون الشباب هدفا للهدر والاستنزاف، بإغراقهم في موجات عدة من الغثاثة والتسلية والإشغال عن القضايا المعرفية الأساسية.

    وهناك شريحة الشباب الطامح إلى الارتقاء الاجتماعي والحياتي، ويتوسل هؤلاء بالدراسة والتفوق فيها لبناء حياة مهنية وأسرية كريمة. ونواجه هنا نوعا من الهدر يتمثل بالتناقض بين الدرجة العالية من الوعي والطموح من ناحية، وتدني الفرص من ناحية أخرى.

    وفرص هذه الشريحة من الشباب لا تهدر فقط بعد التخرج، بل تهدر على الأغلب منذ خط البداية، في تواضع نوعية التعليم الذي يتوفر لها وتدني مستواه، فلا يبني معرفة علمية قابلة لأن تتحول إلى مهارة مهنية منتجة؛ إنه الجهد المهدور والأمل المهدور أيضا.

    وفي حالات البطالة والإقبال العشوائي على الدراسة الجامعية واختيار التخصصات، فإن عددا كبيرا من الشباب يبدون كأنهم فئة الظل، مهمشة وفائضة عن الحاجة. وربما كان كثير منهم فئة مهدورة منذ البداية؛ منذ الطفولة التي يهدر خلالها حقها في الرعاية الأسرية، عاطفيا واجتماعيا وتعليما، ولم يتح لها فرص الانتماء وتنمية المواهب والقدرت والمشاركة في العمل والتطوع والترفيه والاطلاع والتدريب والاستعداد المهني للمستقبل.

    ويكون هدر الطاقات والكفاءات هو من باب تحصيل حاصل، فليس هناك فعلا إستراتيجيات حقيقية وفاعلة للبناء والنماء والإنتاج، فيتجلى الهدر بكامل حدته لطاقات الشباب وكفاءاتهم. ويجعل تسارع التحولات في التكنولوجيا المتقدمة الكثير من المهن معرضة للزوال، وعهد المسار الوظيفي وتدرجه وصولا إلى التقاعد قد ولى.

    لم تعد الموارد البشرية تنمو وتتحرك في بيئة عمل تشبه ما كان عليه الحال طوال العقود الماضية، وإذا لم تجر مراجعة استراتيجية لأدوات التعليم والانتماء والمشاركة فإننا نهدر أيضا الوقت والموارد المادية. فنحن ندخل في مرحلة جديدة، ويجب أن تكون أدواتها الإصلاحية أيضا جديدة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق