اعتاق الأمم المتحدة

تم نشره في الخميس 15 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

  إذا ما قُدِر لنا أن نستمع إلى مسؤول رسمي في الأمم المتحدة يناقش قضية إصلاح النظام الدولي، فسوف نجد أن حديثه يشبه حديث الرجل الإنجليزي عن الطقس؛ فالطقس مادة صالحة للمحادثة اليومية، ولكن يبدو دوماً أن التغيير الحقيقي يلوح في الأفق.

   أمس الأربعاء، اجتمع 166 من زعماء الدول ورؤساء الحكومات في مدينة نيويورك في إطار لقاء قمة نأمل أن يحمل عملية الإصلاح في خطوة كبرى نحو الأمام.

    وقبل ذلك، كان سفراء الدول في نيويورك يصلون الليل بالنهار في عمل دؤوب من أجل دراسة تفاصيل مقترحات الإصلاح الحالية. ولكن أياً كان ما سيتم التوصل إلى اتفاق بشأنه، فأنا باعتباري مسؤولاً في الأمم المتحدة منذ مدة طويلة، أدرك تمام الإدراك حجم التغيير الذي طرأ على الأمم المتحدة بالفعل منذ التحقت للعمل بها منذ 27 عاماً.

    ولو كنت قد قلت لرؤسائي آنذاك إن الأمم المتحدة سوف تتولى ذات يوم مراقبة وحتى إجراء الانتخابات في دول تتمتع بالسيادة التامة، وتدير عمليات تفتيش إلزامية عن أسلحة الدمار الشامل، وتفرض عقوبات شاملة على كامل صادرات وواردات إحدى الدول الأعضاء، أو تقيم محاكم جنائية دولية وتجبر الحكومات على تسليم مواطنيها لكي يحاكمهم أفراد أجانب طبقاً للقانون الدولي، لكانوا قد ردوا عليّ بأنني لم أفهم المغزى الحقيقي من إنشاء الأمم المتحدة.

    لكننا رأينا خلال العقدين المنصرمين كيف تولت الأمم المتحدة القيام بهذه المهام كافة. فقد أدارت أراضي تابعة للدول، وقادت عمليات حفظ سلام ضخمة متعددة الأبعاد، بالاستعانة بما يقرب من 80 ألف جندي في الميدان، وبادرت إلى نشر مراقبين لحقوق الإنسان يرفعون إليها التقارير بشأن سلوكيات الحكومات ذات السيادة. باختصار، كانت الأمم المتحدة مؤسسة ذات قدرة عالية على التكيف استجابة لأوقات متغيرة.

    واليوم، نستطيع أن نتتبع الشروط الأساسية التي تم وضعها للإصلاح إلى فترة الانقسامات الدولية التي شهدتها قضية حرب العراق. وقد كشف استطلاع للآراء أجراه مركز "بيو"، في صيف العام 2003 في عشرين دولة، أن مكانة الأمم المتحدة قد تدنت في الدول العشرين. فقد انحدرت سمعة الأمم المتحدة في الولايات المتحدة لأنها لم تساند إدارة بوش في الحرب، أما تدني سمعتها في الدول التسع عشرة الأخرى فكان لأنها عجزت عن منع وقوع الحرب! لقد تعرضنا للانتقاد من طرفي الجدال، وتسببنا في إحباط آمال كل منهما. حتى أن بعض الأصوات التي تتمتع بالشهرة والقوة قد بدأت تتحدث عن عدم وجود أية قيمة أو تأثير للأمم المتحدة في وقتنا الحاضر.

    وفي ذروة هذه الانتقادات التي بلغت من الشدة درجة غير مسبوقة، سارع كوفي أنان سكرتير عام الأمم المتحدة إلى إنقاذ الموقف. ففي خطاب تاريخي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال أنان: "نستطيع أن نستمر في أعمالنا المعتادة، مما قد يؤدي بنا في النهاية إلى كارثة، أو نستطيع مراجعة بنية النظام الدولي خلال فترة ما بعد العام 1945 بالكامل، ونعمل على تأسيس بنية أكثر فعالية للحكم العالمي".

    قام أنان بتعيين هيئة عالية المستوى من الشخصيات البارزة، وكلفها بالبحث في قضايا السلام والأمن، بينما تولت مجموعة موازية مكونة من خبراء الاقتصاد، تحت قيادة جيفري ساش، دراسة كل ما يتطلبه الأمر من أجل تحقيق وعود التنمية التي قطعها زعماء العالم على أنفسهم أثناء قمة الألفية التي عقدت في العام 2000. وفي شهر آذار من هذا العام، قام أنان بجمع التوصيات الرئيسة للهيئتين في تقرير تحت عنوان "سعياً إلى حرية أوسع نطاقاً".

   ويأتي هذا العنوان مقتبساً من الفقرة التمهيدية من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تتحدث عن الكفاح "من أجل دعم التقدم الاجتماعي وتعزيز مستويات معيشية أفضل في ظل حرية أوسع نطاقاً". وكان مؤسسو الأمم المتحدة يقصدون بهذه العبارة الرائعة أن حقوق الإنسان، والتنمية، والأمن، كلها عناصر يعتمد كل منها على الآخر.

    مما لا شك فيه أن الأمم المتحدة تخفق أحياناً في تحقيق طموحاتها النبيلة، ذلك أنها تعكس الحقائق التي تشتمل عليها السياسة العالمية، حتى مع محاولتها السمو فوق مثل هذه السياسة. ونستطيع أن نقول، إن الأمم المتحدة في أفضل أحوالها وفي أسوأها تعد بمثابة مرآة تعكس صورة العالم الذي نعيش فيه: فهي تعكس خلافاتنا ونقاط اتفاقنا، وآمالنا وطموحاتنا، وقصورنا وإخفاقاتنا.

    لكن قضية الحرية السياسية كانت تخطو خطوات نحو الأمام. فحين التحقت بالأمم المتحدة، كان من قبيل المستحيل تقريباً أن نفكر في انحياز المنظمة إلى الديمقراطية ضد الاستبداد على سبيل المثال، أو سعيها إلى التدخل في شؤون أعضائها الداخلية. وحتى فيما يتصل بمعنى حقوق الإنسان، لم يكن هناك اتفاق عالمي، إذ كانت بعض الدول تنظر إلى قضية حقوق الإنسان باعتبارها أداة للنزعة الاستعمارية الغربية الجديدة.

    اليوم، وعلى النقيض من هذا، وفي سبيل تعزيز ودعم المؤسسات والممارسات الديمقراطية في كل أنحاء العالم، تأخذ الأمم المتحدة على عاتقها القيام بأعمال تفوق ما تقوم به أية منظمة أخرى تسعى إلى تحقيق نفس الأهداف. فخلال العام الماضي فقط تولت الأمم المتحدة تنظيم الانتخابات أو ساعدت في تنظيمها في أكثر من عشرين دولة -في لحظات حاسمة في تاريخ تلك الدول في أغلب الأحوال- من بينها أفغانستان، وفلسطين، والعراق، وبوروندي. كما تتولى الأمم المتحدة الآن إنشاء صندوق الديمقراطية الذي يهدف إلى زيادة المساعدات الضرورية من أجل بناء الديمقراطية، وقد اقترحنا تأسيس لجنة تهدف إلى "بناء السلام"، وتعمل على مساعدة الدول في الانتقال من حالة الحرب إلى السلام الدائم. كما يجاهد أنان من أجل إيجاد آلية دولية يقتصر عملها على الدفاع عن حقوق الإنسان على نحو أكثر فعالية وجدارة.

    وبينما نواجه التحديات الجديدة التي فرضها عصرنا الحاضر، فإنه يتعين علينا ألا ننسى التحديات القديمة، وعلى نحو خاص أهوال التخلف والتأخر. ذلك أن التركيبة التي تتألف من الفقر، والقحط، والمجاعة، وانتشار مرض الإيدز والفيروس المسبب له في الدول الواقعة إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في إفريقيا، تهدد من الأرواح ما يفوق بكثير الأرواح التي راحت ضحية للإرهاب أو موجات المد العارمة (تسونامي). كما ينبغي على هذه القمة أن تعيد التأكيد على أهداف تنمية الألفية، والتشديد على أهمية التزام العالم بتحقيق هذه الأهداف بحلول العام 2015، إذ لم يعد هناك أي عذر أو مبرر يجعلنا نترك ما يزيد على مليار إنسان يعيشون في ذلك البؤس الرهيب.

    وكما قال المهاتما غاندي ذات يوم: "لابد وأن تكون أنت ذاتك التغيير الذي تتمنى لو يطرأ على العالم من حولك". والأمم المتحدة ليست استثناءً؛ فلكي نغير العالم، يتعين علينا أن نتغير نحن أيضاً. وتستطيع الأمم المتحدة أن تكون أداة أكثر فعالية إذا ما تم تنظيم دولها الأعضاء في الجمعية العامة ومجلس الأمن على نحو أفضل، وإذا ما قدمت إلينا في الأمانة العامة توجيهات أكثر وضوحاً -فضلاً عن المرونة المطلوبة من أجل تنفيذ هذه التوجيهات- ثم تمت مطالبتنا بكل وضوح بعد ذلك بتحمل المسؤولية عن أفعالنا.

    سوف تشهد قمة هذا الأسبوع أضخم تجمع لزعماء العالم في تاريخ الإنسانية. وإذا ما ارتقى زعماء العالم إلى مستوى المسؤوليات الملقاة على عاتقهم، فسوف تولد الأمم المتحدة من جديد. ومع تجدد الأمم المتحدة، فسوف نجدد نحن أيضاً آمالنا في عالم أكثر عدلاً وأكثر أماناً.

شاشي ثارور نائب أمين عام الأمم المتحدة ومؤلف العديد من الكتب، وكان آخر كتاب صدر حديثاً من تأليفه بعنوان "بلا كتاب في بغداد: وكتابات أخرى عن القراءة".

خاص بـ"الغد". حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

ترجمة: مايسة كامل

التعليق