جسر الأئمة في العبور السياسي والثقافي

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2005. 02:00 صباحاً

لا تزال الروايات متضاربة والغموض يحيط بما وراء كارثة جسر الأئمة وهوية الجهة(إن كان هناك جهة) التي خططت ودبرت قتل مئات الأبرياء المدنيين. صحيح أن جماعة الزرقاوي تتبنى تكفير الشيعة وتتخذ منهم موقفا دينيا وسياسيا متشددا، لكن المسارعة إلى اتهام الجماعة بهذه الحادثة دون تأكيد حاسم يصب - شئنا أم أبينا- في زيادة حالة التوتر وتهديد السلم الأهلي بين الشيعة والسنة، خاصة أن الجماعة نفت مسؤوليتها عن الكارثة.

   لقد تسرع الرئيس جلال طالباني في التلميح إلى دور الجماعات التكفيرية، كما تهافتت العديد من وسائل الإعلام والفضائيات العراقية (ذات التوجه الشيعي) إلى تبني روايات لم تثبت، والغريب أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله انزلق إلى فخّ الخطاب الطائفي ففاجأ ملايين العرب والمسلمين عندما حمّل الجماعات "التكفيرية" و"الصدامية" مسؤولية ما حدث، والمفاجأة والغرابة ليست بتحميل جماعة الزرقاوي المسؤولية، لكن للكنة الطائفية التي بدت على حديث نصر الله وإن حاول مداراتها، ولو باصطناع تحالف –مباشر أو غير مباشر- بين الزرقاوي وجيش الاحتلال الأميركي، ووجه الغرابة أيضا أن ملايين العرب والمسلمين لم يروا حسن نصر الله في يوم من الأيام قائدا شيعيا أو سنيا يتحدث باسم مذهب أو طائفة، بل كانوا يرون فيه قائدا عربيا ومسلما يناضل ضد الاحتلال وصاحب خطاب سياسي مؤثر ونافذ.

    ما يحسب لمراجع الشيعة وفي مقدمتهم السيد السيستاني وحسن نصر الله نفسه التأكيد على أهمية ضبط النفس، وأنّ الانجرار إلى حرب طائفية خطّ أحمر لن يصل إليه الشيعة، لكن حالة ضبط النفس الحالية والالتزام بعدم الرد(في حالة تحميل القاعدة المسؤولية) هي حالة هشّة بمعنى الكلمة، ولن تصمد طويلا، بل هي بمثابة القشرة التي تخفي بركانا من الغضب والتشنج المذهبي ناجم عن المناخ الثقافي والسياسي العام، مما يهدد مستقبل العراق ووحدته.

    المشكلة الكبرى هي بغلبة المصالح والخطاب الطائفي بالأساس، فإذا كان المراجع الشيعة يتحدثون عن ضبط النفس، فإن قادة السنة من الحزب الإسلامي وهيئة علماء المسلمين والوقف السني يتحدثون باللغة نفسها، ويلمحون إلى دور منظمة بدر في عمليات تصفية بحق مئات السنة، ويتحدثون أيضا، وهناك تقارير صحافية غربية في نفس السياق، عن ميليشيات شيعية وكردية تمارس اعتقالات واسعة ضد مدنيين من السنة وتقوم بعمليات تعذيب بشعة بحقهم. وقصف الطائرات الأميركية للقائم الذي خلف مئات القتلى بالتأكيد بينهم مدنيون لا علاقة لهم بالمقاومة ولا بجماعة الزرقاوي.

     ولا تقف الحالة الهشة عند العلاقة بين السنة والشيعة، بل في داخل كل من الشيعة والسنة، فجماعة مقتدى الصدر تتحدث عن مؤامرة مدبرة من الشرطة العراقية وجيش الاحتلال الأميركي لكارثة الجسر، ووفقا لرواية جيش المهدي وجماعة الصدر فإن أغلب الذين قضوا في كارثة الجسر هم من أنصار الصدر ومن مدينته ومن أتباع الخالصي، وقد كانت هناك مفارز تابعة لجماعة الصدر تفتش العابرين إلى الجسر للتأكد من الوضع الأمني، وتؤكد مصادر الصدر أن الذي سبّب الرعب والهلع والتدافع بين الناس ليس الشائعات بالدرجة الأولى، وإنما إطلاق الشرطة العراقية النار بالهواء، أما رواية الماء المسمّم فهي غير صحيحة.

   الهدف من تقديم مقالات الصدريين ليس قبولها أو تصديقها، لكن لتوضيح أن هناك روايات متعددة وحالة من اختلاط الحابل بالنابل، وخطابات متشنجة تجتاح العراق بأسره، أما نداءات ودعوات ضبط النفس والتحلي بالهدوء فلن تثبت أمام الحالة الاجتماعية والثقافية الهشة اليوم، ولن تقوى على منع الفتنة الأهلية إذا ما أيقظها بعض المجانين ومحدودي الأفق! عندئذ لا قدر الله لن تسلم بيوت الناس ولن يتم التمييز بين متشدد ومعتدل وبين كبير وصغير، وسيتحول العراق إلى جحيم حقيقي.

    المطلوب من المراجع والعلماء السنة والقادة من كلا الجانبين عدم الركون إلى حالة الهدوء الحالية وترقب الأسوأ، إنما البحث عن الإمكانيات والشروط لاندماج السنة بالعملية السياسية من ناحية، والعمل – من ناحية أخرى- على صوغ خطاب ثقافي سلمي مشترك للعبور الحضاري فوق الجسر الذي يربط ضريحي الإمامين السني والشيعي: مرقد أبي حنيفة النعمان والمرقد الكاظمي.

     والسؤال الأول والأخير: هل نستسلم لخلافات تاريخية مذهبية ولغة قادمة من العصور الوسطى أم إلى عقل إسلامي ووطني تنويري تتجه بوصلته إلى المستقبل لا التاريخ؟..

m.aburumman@alghad.jo 

التعليق