إبراهيم غرايبة

الكتاب الإحصائي السنوي مدخل للديمقراطية والإصلاح

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2005. 03:00 صباحاً

 صدر مؤخرا التقرير السنوي لدائرة الإحصاءات العامة جريا على العادة السنوية للدائرة منذ عام 1950، وما زال التقرير برغم التطور التقني والإلحاح المتزايد على المعلومات وتزايد أهمية الزمن والتوقيت في الحصول على المعلومة يصدر في شهر آب من كل عام، وربما يكون ممكنا مع الحوسبة الشاملة الجارية في العمل أن يصدر التقرير في وقت مبكر لا يتجاوز الشهر الأول من كل عام.

   يقدم التقرير البيانات والمعلومات والمؤشرات الأساسية في 22 حقلا: المناخ،السكان والإحصاءات الحيوية، العمل والأجور، الزراعة، البيئة، الصناعة، الكهرباء والمياه، الإنشاءات،التجارة الداخلية،النقل، الاتصالات، التعليم، الصحة، السفر والسياحة والخدمات، الثقافة والإعلام، الأمن والعدالة، الضمان الاجتماعي، الجمعيات والنقابات،النقود والبنوك، المالية العامة، التجارة الخارجية وميزان المدفوعات، الأسعار،الحسابات القومية، وهو متاح للمواطنين، ويمكن الحصول عليه ورقيا أو إلكترونيا بسعر رمزي جدا لا يتناسب أبدا مع الجهد والتكاليف والأوقات المبذولة فيه، وهو بذلك يصلح دليلا وطنيا شاملا يعين في معرفة الخريطة الحقيقية للإنجازات والتقدم والتراجع، ويقدم ثقافة وطنية شاملة تلزم كل مواطن ومسؤول حسب قطاعه.

    والتقرير معد ومخرج بطريقة ومنهجية تتيح لكل مواطن تقريبا فضلا عن المثقفين والمتخصصين الاطلاع والمعرفة بسهولة وبساطة وفهم محتوياته دون حاجة لتخصصات ومؤهلات إضافية ومعقدة، وفي بلد مثل الأردن تتجاوز نسبة التعليم فيه 90% ويتمتع بنسبة عالية جدا من التعليم الجامعي فإن الكتاب الإحصائي السنوي يصلح أن يكون مرجعا شاملا وشعبيا ومنتشرا، ومصدرا لثقافة جديدة تلائم الديمقراطية الاجتماعية واقتصاديات مرحلة المعرفة.

    وليس مبالغة القول إن التقرير السنوي لدائرة الإحصاءات هو أحد المداخل الرئيسة والمهمة للديمقراطية والمشاركة العامة، لأن الديمقراطية تقوم أساسا على المشاركة في المعلومة، وحرية الوصول إليها، وبما أن الكتاب السنوي الإحصائي هو الذي يقدم المعلومات الأساسية للسياسة العامة فإنه أهم ما يحتاجه المواطن ليراقب هذه السياسات وليستطيع أيضا المشاركة في صياغتها وتخطيطها، ولا حاجة بالطبع الحديث عن أهميته للباحثين والمخططين والسياسيين والنواب والأعيان والمسؤولين، ولكن ما يجب الاهتمام به كهدف للتنمية السياسية والوطنية هو تعميم المشاركة العامة على جميع المستويات في مناقشة التقرير ودراسته وتحليله، والخروج بأفكار وتوصيات في جميع المجالات والمستويات، الشعبية والرسمية، ويمكن أن يكون صدور التقرير مناسبة سنوية عامة لتحليل السياسات والمواقف والبرامج، وليطلع المواطنون جميعهم على الحالة العامة للقضايا التي يجب أن يشاركوا فيها ويطلعوا عليها.

   ومن شأن هذا البرنامج أن يطور المشاركة العامة والانتخابات النيابية والبلدية والنقابية لتكون قائمة على قاعدة من المعلومات والمعارف التي  يتحرك المواطنون على أساسها، وينتخبون ويحاسبون ويتابعون في الانتخابات التالية أيضا على أساسها.

    ما تؤديه دائرة الإحصاءات العامة للمواطنين والسلطات الثلاث يفوق بكثير أغراض التخطيط والبحث والمرجعية المتخصصة، ولكنه يمكن بل يجب أن يتحول إلى برنامج وطني وسياسي وتنموي يصلح لتفعيل المشاركة السياسية والعامة ويطور قدرات المواطنين على الانتخاب ومتابعة نوابهم وممثليهم في البلديات والنقابات، ويطور بيان الحكومة الوزاري الذي تقدمه إلى مجلس النواب ليكون أكثر مهنية واحتراما للمواطنين وليس مجرد إجراء بروتوكولي، ويحرر العمل النيابي ومراقبة النواب للموازنة والأداء الحكومي من العموميات والمطالب الشخصية والعامة والرومانسية إلى برامج وأفكار محددة بالأرقام والممكنات الواقعية البعيدة عن الخيال والأحلام.

   الكتاب الإحصائي السنوي يجب أن يتحول إلى مقرر إجباري في المدارس الثانوية والجامعات وموضوع للنقاش والتحليل في جميع مؤسسات السلطات الثلاث، وفي الندوات العامة والمتخصصة في مراكز الدراسات والجامعات والمحافل والمؤسسات الثقافية والفكرية، ونحتاج لثقافة وطنية وعامة تجعل من العار والمعيب بحق كل مواطن ألا يقتني التقرير أو يطلع عليه ويشارك في الاستماع والحوار السنوي حوله.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق